لقد ذهب قبل قليل إلى العريش .. وتبعه أبو بكر .. إنه الآن داخل العريش وهو يعاني حالة من النعاس ورأسه يخفق .. ها هو لقد أفاق من نعاسه .. وخرج والبشرى تحمله ويحملها .. إنه ييشر صاحبه أبا بكر بشيء مفرح فما هو ..؟!
يقول أحد الصحابة: (خفق (١) رسول الله - ﷺ - خفقة في العريش ثم انتبه فقال: أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل معتجر بعمامته آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النقع، أتاك نصر الله وعدته) (٢).
(هذا جبريل آخذ رأس فرسه عليه أداة الحرب) (٣) .. هبط جبريل مُعتمًّا .. ما لون عمامته .. وهل هبط لوحده ..؟ سنعرف بعد قليل .. فرسول الله - ﷺ - يتجه مبشرًا أصحابه بما حدث .. محرضًا شجاعتهم للتضحية بأرواحهم في سبيل الله .. إنه يحدثهم .. يوقظ فرحهم بالجنة والشهادة .. لقد (خرج - ﷺ - إلى الناس فحرضهم) (٤) وعندما يحرض رسول الله - ﷺ - لا يقول إلا حقًا .. وإذا قال .. تحرك الجميع من حوله .. يقول - ﷺ -
_________________
(١) حرك رأسه وهو ناعس.
(٢) سنده صحيح. رواه ابن إسحاق ومن طريقة الأموي (سيرة ابن كثير ٢/ ٤٣٤): حدثني الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير .. وقد صرح ابن إسحاق بالسماع من شيخه التابعي الثقة، وعبد الله بن ثعلبة صحابيّ.
(٣) حديث صحيح. رواه البخاري.
(٤) رواه ابن إسحاق وهو جزء من حديثه الطويل وهو ضعيف إلا ما كان له من الشواهد ما يقويه. وهذه العبارة لها ما يقويها عند أحمد وسنده صحيح وقد مر معنا (سيرة ابن كثير ٢/ ٤٢٢).
[ ٢ / ٩٣ ]
وهو يتحدث عن الصفوف: (قيام ساعة في الصف للقتال في سبيل الله خير من قيام ستين سنة) (١) و(الشهداء الذين يقاتلون في سبيل الله في الصف الأول، ولا يلتفتون بوجوههم حتى يقتلوا، فأولئك يلقون في الغرف العلا من الجنة يضحك إليهم ربك، إن الله تعالى إذا ضحك إلى عبده المؤمن فلا حساب عليه) (٢) .. ويقول - ﷺ -: (موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود) (٣) وإن (للشهيد عند الله سبع خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حلة الإيمان، ويزوج اثنين وسبعين زوجة من الحور العين، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويشفع في سبعين من أهل بيته) (٤).
إن من يسمع ذلك وغيره ليهون أمامه الموت والفناء .. بل إن الموت يهون ويسهل للشهيد حقًا .. فالموت يداعب الشهداء مداعبةً .. بشر بذلك رسول الله - ﷺ - فقال: (الشهيد لا يجد ألم القتل إلا كما يجد أحدكم مس القرصة) (٥).
إن من يستمع إلى هذه الأحاديث وهو على سريره سيبحث عن أي معركة يكون فيها شهيدًا .. فكيف لو سمعها رجل يحمل سلاحه وسط الصفوف .. لقد ثارت المعارك في نفوس الصحابة .. واستعر لهيبها في دمائهم .. فقال - ﷺ - لهم قولًا ينظم حماسهم وتوثبهم .. ويسدد رميهم وسيوفهم قولًا يفتك بأعدائهم ..
_________________
(١) حديث صحيح. صحيح الجامع (٢/ ٨١٥).
(٢) حديث صحيح. المصدر السابق (١/ ٦٩٥).
(٣) حديث صحيح. المصدر السابق (٢/ ١١٢٧).
(٤) حديث صحيح. السابق (٢/ ٩٢٠).
(٥) حديث صحيح. السابق (١/ ٦٩٦).
[ ٢ / ٩٤ ]
ماذا قال لكم يا أبا أسيد الساعدي فقد كنت بين الصفوف ..؟ يقول أبو أسيد: قال رسول الله - ﷺ - حين اصطففنا يوم بدرٍ: إذا أكثبوكم يعني إذا غشوكم فارموهم بالنبل واستبقوا نبلكم) (١).
يكاد الصبر يفتك بالصف المؤمن .. وكان الصف كالبنيان المرصوص .. إلا لبنة قويةً كانت تتململ .. إنه عبد الرحمن بن عوف فماذا جرى له .. ولماذا يشعر بالإحراج وكأنه يريد أن يغير مكانه ..