أحدهم كان يحمل طموحًا أكبر .. فهو يطمح إلى إطلاق جميع الأسرى .. إنه الذي رأى الملائكة على أرض بدر وهو أحد وجهاء قريش: جبير بن مطعم بن عدي .. ابن ذلك الشهم الكريم .. "المطعم بن عدي" .. يمتطي راحلته متجهًا نحو المدينة .. ليجتمع برسول الله - ﷺ - في محاولة منه لإطلاق سراح الأسارى من قومه .. لكنه يقع في الأسر .. لم يأسره أحد من الصحابة .. ولا حتى من قطاع الطرق .. أسره القرآن وهو يمشي بهدوء بمحاذاة جدار مسجد النبي - ﷺ - في سويعات هادئة بعد الغروب .. يقول جبير إنه (جاء في فداء أسارى أهل بدر، قال: فوافقت رسول الله - ﷺ - يقرأ في صلاة المغرب: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣)﴾ فأخذني من قراءته فكان ذلك أول ما سمعت من أمر الإِسلام) (١) (فسمعته وهو يقرأ وقد خرج صوته من المسجد ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾ فكأنما صدع قلبي) (٢) ..
_________________
(١) = زمن أبيه (التقريب ١/ ٣٩٢) وجرير بن حازم ثقة إلا في حديثه عن قتادة وهذا ليس منه (التقريب ١/ ١٢٧) ووالده أوثق منه (٢/ ٣٣٨).
(٢) حديثٌ حسنٌ من أجل أسامة بن زيد الليثي وهو حسن الحديث إذا لم يخالف ويشهد له ما بعده عند البخاري .. والحديث رواه الطبراني (٢/ ١١٧).
(٣) حسن. رواه الطبراني (٢/ ١١٧ - ١١٨) من طريقين عن هشيم وعزاه لأبي يعلى وهشيم رواه من طريقين: حدثنا سفيان بن حسين عن الزهري عن محمَّد بن جبير عن أبيه .. وأخبرنا إبراهيم بن محمَّد بن جبير عن أبيه عن جده .. وقد صرح هشيم بالسماع من شيخيه، وسفيان ثقة في غير الزهري، فهذه الطريق ضعيفة وأما الطريق الثانية فلم أجد =
[ ٢ / ١٤٤ ]
(وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي) (١) فاستجاب جبير بن مطعم لقلبه الذي تعلق هذا الصوت المنساب من المسجد .. فتوقف يستمع إلى النبي - ﷺ - وهو يقرأ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨) فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا
_________________
(١) = ترجمة له لكن هشيمًا ذكر أنه سمعه من الزهريّ ومع ذلك فهو معلول لأن هشيمًا كتب عن الزهريّ فطيرت الريح أوراقه بعد خروجه من عنده فأصبح معلول الحديث إذا روى عن الزهريّ .. وهذان الطريقان يقوي بعضهما البعض بالإضافة إلى حديث البخاري.
(٢) حديث صحيح. رواه البخاري (٤٠٢٣).
[ ٢ / ١٤٥ ]
صَادِقِينَ (٣٤) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧)﴾ (١).
يقول جبير: (فلما بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧)﴾. كاد قلبي أن يطير) (٢).
كان جبير خلف الجدار يشقى بقلبه بينما كان النبي - ﷺ - وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وبقية الصحابة ينعمون بالقرآن والصلاة .. حتى أتموا صلاتهم .. ثم سلم النبي - ﷺ - وسلم الصحابة من خلفه وبعد قليل انصرفوا وانصرف النبي - ﷺ - .. فتوجه إليه جبير بن مطعم .. فاستقبله النبي - ﷺ - بكل الوفاء والعرفان مذكرًا إياه بكرم أبيه "المطعم بن عدي" .. قدَّم جبير للنبي - ﷺ - التماسًا يطلب فيه إطلاق الأسرى من قريش .. لكن إجابة الرسول - ﷺ - كانت مخرسة .. لقد قال له: (لو كان المطعم بن عدي حيًا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له) (٣) .. فهِمَ جبير بن مطعم إجابة النبي - ﷺ - .. فانصرف بغير القلب الذي جاء به .. يحمل إيمانًا يصارع كفرًا .. يحمل همَّ عمه الذي قتله حمزة .. ويحمل تقديرًا للنبي - ﷺ - وإجلالًا بعد أن سمع ما يسر من ثناء على أبيه واحتفاظ بالجميل .. عاد جبير إلى مكة ولم يعد الأسرى .. وما زال أبو العاص بن الربيع بينهم .. وذات يوم يصل إلى المدينة رجل يحمل مالًا ويحمل قلادة إلى رسول الله - ﷺ -، فيأخذ ﵇ تلك القلادة .. وتهتز نياط قلبه وهو يقلبها .. وتتعلق عيناه بها
_________________
(١) سورة الطور: الآيات ٧ - ٣٧.
(٢) حديث صحيح. رواه البخاري (٤٨٥٤).
(٣) حديث صحيح. رواه البخاري (٤٠٢٣).
[ ٢ / ١٤٦ ]
فتحمله بعيدًا .. بعيدًا حيث خديجة .. حيث زينب وحيث مكة الحبيبة .. فينضح قلبه بالحزن .. ولسانه بالرجاء لأصحابه أن يخففوا أحزانه وأحزان حبيبته .. فيتأثر من حوله بمشهد الحرمان والشوق .. والغربة الذي يحيط بهذا النبي وأهل بيته صلوات الله عليهم جميعًا ..
تقول عائشة ﵂: (لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله - ﷺ - في فداء أبي العاص بن الربيع بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت لخديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها، فلما رآها رسول الله - ﷺ - رق لها رقة شديدة وقال:
إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها الذي لها فافعلوا .. فقالوا: نعم يا رسول الله .. فأطلقوه وردوا عليها الذي لها) (١) وقبل أن ينطلق أبو العاص إلى زينب أكد لرسول الله - ﷺ - أنه سيبعث بزينب وذلك بتحديد مكان تلاقي فيه من سيرسله رسول الله - ﷺ - لمرافقتها في طريق هجرتها ..
هذا المكان هو أحد بطون الأودية واسمه (بطن يأجج) وهو قريب من مكة .. ثم توجه أبو العاص إلى مكة .. ولما وصل إلى زينب فرحت به وفرح بها وسلمها قلادتها وحريتها .. فاختارت الله ورسوله وتوجهت إلى (بطن يأجج) أما في المدينة فقد (بعث رسول الله - ﷺ - زيد بن حارثة ورجلًا من الأنصار فقال: (كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فتصحبانها حتى تأتياني بها، فخرجا مكانهما وذلك بعد بدر بشهر أو
_________________
(١) سنده صحيح. رواه ابن إسحاق (سيرة ابن كثير ٢/ ٤٨٤): حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة .. وهذا السند قد مر معنا فيحيى ثقة (التقريب ٢/ ٣٥٠) ووالده أوثق منه (التقريب ١/ ٣٩٢) وهو تابعي تولى القضاء زمن أبيه والحديث عند أحمد (٦/ ٢٧٦).
[ ٢ / ١٤٧ ]
شيعة .. فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها فخرجت جهرة) (١) بعد أن سلمها أبو العاص قلادتها وحريتها وأبقى لنفسه الهواجس والحرمان .. ورافقها أخوها زيد وصاحبه إلى أبيها .. إلى المدينة المنورة بالإِسلام .. فرح بها رسول الله - ﷺ - .. فرحت بها فاطمة وفرحت بها أم كلثوم .. لكن وصولها لامس جرحًا في أعماقهن على رقية الراحلة .. الراقدة تحت أطباق الثرى .. ذكرى رقية وما أصابها في سبيل الله من غربة وآلام .. آذاها المشركون في مكة فهاجرت مع عثمان إلى الحبشة ثم عادت إلى مكة ثم هاجرت إلى المدينة .. ولم يطل بقاؤها في المدينة حتى اجتاحتها أوجاع خطفتها وخطفت شبابها .. لقد كان ذلك كله في سبيل الله .. وهذا ما يهون من الحرقة عليها فهي راحلة إلى النعيم الخالد .. هذه هي قصة زينب وأسيرها فـ: