ليس هناك أرحب من رحمة الله لجابر .. والنبي - ﷺ - مساحة من هذه الرحابة والرحمة فهو (رحمة مهداة) (١) من الله لهذه الأمة .. ولكل فرد منها .. لم يكن بينه وبن أصحابه حواجز ولا حرس .. (كان - ﷺ - لا يدفع عنه الناس، ولا يضربوا عنه) (٢)، ومن رحمته وتواضعه أن جاءه رجل فشعر ذلك الرجل بخوف ورعدة من لقائه - ﷺ - .. فقال له النبي - ﷺ -: (هون عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد) (٣) .. ذلك اللحم المملح المجفّف في الهواء والشمس .. إذًا فلا داعي للخوف ولا للرعدة والانتفاض ..
وعلى عكس هذا الرجل كان هناك من الناس من يملك جرأة أكثر مما هو مطلوب مع هذا النبي المتواضع ﵇ .. فقد (كان لرجل على النبي - ﷺ - سن من الإبل فجاء يتقاضاه) (٤) (فأغلظ (٥) .. فهمَّ به أصحابه، فقال رسول الله - ﷺ -: دعوه فإن لصاحب الحق مقالًا. ثم قال - ﷺ -: أعطوه سنًا مثل سنه) (٦) (فطلبوا سِنَّهُ فلم يجدوا إلا سنًا فوقها (٧)، فقال: أعطوه.
_________________
(١) حديث صحيح صحيح الجامع. وقد رواه بسند جيد كل من الحاكم (١/ ٩١) الطبراني في الصغير (١/ ١٦٨).
(٢) حديث صحيح - صحيح الجامع (٢/ ٨٧٦).
(٣) حديث صحيح - صحيح الجامع (٢/ ١١٨٥).
(٤) حديث صحيح رواه البخاري (٢٣٠٥). يعني أن النبي استلف بعيرًا.
(٥) تكلم مع النبي - ﷺ - بأسلوب غليظ.
(٦) حديث صحيح رواه البخاري (٢٣٠٦).
(٧) أي أكبر منها في السن وأغلى في الثمن.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
فقال: أوفيتني أوفى الله بك. قال النبي - ﷺ -: إن خياركم أحسنكم قضاءً) (١) .. رضي الرجل وذهب مسرورًا بما حصل عليه .. وتعلّم الصحابة منه - ﷺ - حسن الوفاء وحسن الأخلاق .. لكن جابر بن عبد الله لا يملك ما يقضي به كل دينه .. فاتّجه إلى الرحمة المهداة يسأله العون وتفريج هذا الكرب الشديد .. فكان - ﷺ - له في المكان المطلوب والزمان المناسب ..