أمّا الأول، فأوّل من رمى بسهم في سبيل الله .. وهو سعد بن أبي وقاص .. أمهر من رمى السهام.
وأمّا الآخر .. فأوّل من قاد سرية لرسول الله - ﷺ - ولدولة الإِسلام
[ ٢ / ١٩٠ ]
الجديدة .. إنه عبد الله بن جحش ﵄ .. ها هو سعد يحدّثنا عما جرى في تلك الناحية .. فيقول:
(إن عبد الله بن جحش، قال له يوم أُحد: ألا تدعو الله، فخلوا في ناحية، فدعا سعد فقال:
يا ربّ إذا لقيت العدو، فلقّني رجلًا شديدًا بأسه، شديدًا حرده، أقاتله ويقاتلني، ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله، وآخذ سلبه .. فأمَّن عبد الله بن جحش ثم قال:
اللهمّ ارزقي رجلًا شديدًا حرده، شديدًا بأسه، أقاتله فيك ويقاتلني، ثم يأخذني، فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غدًا قلت: يا عبد فِيمَ جدع أنفك وأذنك؟ من جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك. فتقول: صدقت) (١).
يا لهذه الجزر الحالمة الساحرة .. يا لهذه الأنفس ما أعظمها .. ترى هل سيجيب الله هذه الابتهالات .. ستبوح بالإجابة أرض المعركة .. وجبل عينين وجبل أُحد سيشهدان على ذلك .. لماذا كل هذه الحرقة
_________________
(١) سنده قوي: رواه الحاكم (٢/ ٨٦) وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٠٨) من طرق عن ابن وهب حدثني أبو صخر عن يزيد بن قسيط الليثي عن إسحاق بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه، وأبو صخر هو حميد بن زياد بن أبي المخارق (التهذيب- ٣/ ٤١) وهو حسن الحديث إذا لم يخالف قال الحافظ: (صدوق يهم) (التقريب- ١/ ٢٠٢) وشيخه يزيد تابعى ثقة: التقريب (٢/ ٣٦٧) وأما إسحاق ابن الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص فهو ثقة .. وثقه الإِمام العجلي في ثقاته توثيقًا لفظيًا فقال: مدني تابعى ثقة (٦٠) ووثقه ابن حبان. وللحديث شاهد عند ابن سعد بسند ضعيف مرسلًا عن سعيد بن المسيب، وعن المطلب ابن حنطب مرسلًا أيضًا (٣/ ٩٠ - ٩١)
[ ٢ / ١٩١ ]
على الموت .. كل هذا الاحتفاء والعشق الذي يحرق الأكباد .. إنها الجنّة.
وهؤلاء الرجال يحتقرون أعمارهم وأعمالهم وفداءهم إذا ما قارنوها بثوابها عند الله .. إنهم مسافرون إلى الخلود .. فلو ضرب المؤمن سنين عمره في عدد حبات الرمال المنثورة على وجه الأرض لما حصل على عدد يقارب سنين عمره في الجنّة .. فكيف يلام شيوخ كعمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام وحسيل .. كيف يلام هؤلاء الشيب إذا ما نافسوا الشباب على ظهور الخيل والموت وهم يسمعون رسول الله - ﷺ - يقول: (يدخل أهل الجنةِ الجنةَ جردًا، مردًا، كأنهم مكحلون، أبناء ثلاثٍ وثلاثين) (١) (لا يسقمون ولا يبولون، ولا يتغوّطون، ولا يتفلون، ولا يمتخطون) (٢)، قال بعض الصحابة للنبى - ﷺ -: (فما بال الطعام؟ قال: جشاء ورشح كرشح المسك) (٣)، (ينادي منادي: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا) (٤) فـ (إذا دخل أهل الجنة الجنّة وأهل النارِ النارَ يجاء بالموت كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنّة والنار، فيقال:
يا أهل الجنّة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون، فينظرون، ويقولون: نعم .. هذا الموت. وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون، فيقولون: نعم .. هذا الموت .. وكلّهم قد رآه، فيؤمر
_________________
(١) حديث صحيح انظر: صحيح الجامع (٢/ ٣٤١).
(٢) حديث صحيح متفق عليه - المشكاة (٣/ ١٥٦٤).
(٣) حديث صحيح رواه مسلم - المشكاة (٣/ ١٥٦٤).
(٤) حديث صحيح رواه مسلم - المشكاة (٣/ ١٥٦٤).
[ ٢ / ١٩٢ ]
به فيذبح، ويقال: يا أهل الجنّة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت) (١).
وقد خطف - ﷺ - أرواحهم وعقولهم وقلوبهم عندما تحدّث عن الجهاد في سبيل الله، فقال: (غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من نساء أهل الجنّة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحًا، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها) (٢)، كل هذا السحر .. كل هذا الجمال .. كل هذه الفتنة لنساء الجنّة من المؤمنات ومن الحور .. فلا عجيب أن نرى ضمن الجيش نساءً خرجن للمشاركة في المعركة .. يداوين الجرحى ويسقين العطشى .. كان في مقدمتهن فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - وزوجته عائشة بنت أبي بكر الصديق .. وصفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله - ﷺ - وأخت حمزة ﵃ .. وأم سليم بنت ملحان المشهورة بـ (الرميصاء) وهي أم أنس بن مالك ﵄ .. وهنّ من الأنصار .. كما شاركت أنصاريات أُخر منهنّ: أم سليط ﵂ وفاطمة (٣) بنت عمرو بن حرام أخت عبد الله وعمّة جابر وزوجة عمرو بن الجموح ونساء أخريات من المهاجرين والأنصار ..
ولئن استطاع بعض النساء أن يخرجن مع رسول الله - ﷺ - في حروبه فإن هناك من الرجال من لا يقدر على الخروج .. والحرج يحاصرهم بعد نزول هذه الآيات:
_________________
(١) حديث صحيح، صحيح الجامع (١/ ١٥٢).
(٢) حديث صحيح: رواه البخاري (المشكاة- ٣/ ١٥٦٢).
(٣) سيأتي ذكرهن أثناء المعركة وبعدها في أحاديث صحيحة إن شاء الله.
[ ٢ / ١٩٣ ]