حديث حزين يدور بين جابر بن عبد الله ووالده الذي يصرّ على الخروج .. فيخاطب رجولة ابنه وبرّه وإيمانه فيقول: (يا جابر .. لا عليك أن تكون في نظاري المدينة حتى تعلم إلى ما يصير أمرنا، فإني والله لولا أني أترك بنات لي بعدي لأحببت أن تقتل بين يدي) (١) ..
جابر ووالده لهف على الموت في سبيل الله .. لكن الدموع التي تفيض من العيون البريئة .. وتلك النظرات الخائفة التي تعصف بقلب هذا الشيخ الكبير .. تتعلّق به وتريد الاحتفاظ به .. تتغلغل كالجروح ..
تسع فتيات حزينات .. يتساءلن هل سيعود والدنا من المعركة أم أنه الوداع الأخير لهذا الشيخ الحبيب.
عناق ونظرات ودموع تحاصر هذا الشيخ .. فيتفطر قلبه ويحسّ بدبيب الموت يسري في عروقه .. ويشعر بخطوات اليتم المخيفة تتجه نحو
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (٤٠٩٧).
[ ٢ / ١٨٧ ]
حبيباته الصغيرات .. اللواتي طالما انتظرنه في البيت وعلى عتبة الباب .. فإذا ما رأينه مقبلًا تراكضن نحوه كالزهرات .. أيهنّ تحظى بقبلة قبل أخواتها .. يتزاحمن على ما يحمله بيديه .. كلهنّ يردن التخفيف عنه ورؤية ما أحضر لهنّ .. كلهنّ يردن خدمته .. طالما أعددن شرابه وطعامه .. وغسلن ثيابه .. وغطّينه وهو نائم .. ولطالما مرّضنه من حمى المدينة القاسية .. تسع زهرات .. كم حملهن على ظهره .. ولاعبهن وضاحكهن وقصّ عليهن .. كم ألححن عليه ليشتري الملابس والحلي .. فيستجيب مهزومًا بالحب ..
ذكريات وهموم تثقل الشيخ العطوف وتملأ قلبه .. فتخرج الكلمات منه بصوت متهدّج بالحزن .. ويقول لابنه جابر: (ما أراني إلَّا مقتولًا في أول من يقتل من أصحاب النبي - ﷺ -، وإني لا أترك بعدي أعزّ عليّ منك غير نفس رسول الله - ﷺ -، وإن عليّ دينًا فاقضِ، واستوصِ بأخواتك خيرًا) (١).
لكن الكلمات لا تطفئ هذه النار المستعرة بين أضلاع هذا الشيخ .. لا تكفي لمقاومة ألم الفراق واليتم القادم .. فيتّجه به الحزن إلى شيء لا يزال حلالًا حتى الآن .. يتجه به الحزن إلى شيء قد ينسيه بعض الحزن .. قد ينسيه ذلك الشوق المنبعث من تلك العيون البريئة التي لا تُنسى.