وبذلك يستفاد منه ومن بقائه بين أظهر المسلمين بدلًا من إرهاق ميزانية الدولة المسلمة الفقيرة بالإنفاق عليهم رغم أن هذا الإنفاق فيه أجر عظيم وعظيم جدًا .. كما قال تعالى في وصف أصحابه أنهم: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ..﴾ (٢) لذلك أمروا بالخدمة الاجتماعية. فما هي الخدمة التي أداها هؤلاء مقابل حريتهم؟ يقول ابن عباس ﵄:
(كان ناس من الأسارى يوم بدر ليس لهم فداء فجعل رسول الله - ﷺ - فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة) (٣) وقد حدثت قصة طريفة بين
_________________
(١) سورة الأنفال: الآية ٧٠.
(٢) سورة الإنسان: الآية ٨.
(٣) سنده قوله. رواه أحمد (١/ ٢٤٧) والحاكم (٢/ ١٤٠) من طريق شيخ أحمد: علي بن عاصم حدثنا داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس .. وهذا سند صحيح لولا أخطاء =
[ ٢ / ١٤٩ ]
أحد هؤلاء الأسارى وبين والد أحد أولئك الأطفال .. عندما (جاء غلام من أولاد الأنصار إلى أبيه فقال: ما شأنك؟ قال: ضربني معلمي. قال: الخبيث يطلب بذحل بدر؟ والله لا تأتيه أبدًا) أي يأخذ ثأره مما حدث له في غزوة بدر بضرب ذلك الطفل. وبذلك يؤكد الرسول - ﷺ - مبدأ العلم وأنه (فريضة على كل مسلم) (١) كما يفتح - ﷺ - باب خدمة المجتمع كبديل للحبس.
فتعلم جزء كبير من أبناء الأنصار القراءة والكتابة .. وتفوق المسلمون على عدوهم حربًا وعلمًا .. وعاد بقية الأسرى إلى مكة بعد أن أدوا تلك الوظيفة الاجتماعية .. أصابت الدهشة جزيرة العرب لهذه النتيجة .. وتفاقم الحقد في نفوس اليهود وضاقوا بما جرى .. ولا أدري لماذا كل هذا الحقد والحسد والأمر كوجه الشمس .. إنه النبي الذي جاء ليحررهم من الاضطهاد والطغيان ويخفف عنهم بعض الأحكام التي عوقبوا بها لتمردهم .. لا أدري لماذا كل هذا التبرم والعناد وهم يعرفون أنه ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (٢) .. وقد استطاع الأحبار والرهبان بعد موت موسى ورفع عيسى عليهما الصلاة والسلام أن يحذفوا اسم محمَّد - ﷺ - من التوراة والإنجيل .. لكنهم لم يتمتعوا
_________________
(١) = علي بن عاصم فهو صدوق يخطئ (التقريب ٢/ ٣٩) وجل من لا يخطئ لكنه يصر .. وهو هنا لم يخطئ فقد تابعه الثقة خالد بن عبد الله الطحان وهو ثقة ثبت من رجال الشيخين (التهذيب ٣/ ١٠٠).
(٢) حديث صحيح. (صحيح الجامع ٢/ ٧٢٧).
(٣) سورة الأعراف: الآية ١٥٧.
[ ٢ / ١٥٠ ]
بقدر من الذكاء يمكنهم من طمس كل شيء يتعلق بمحمد في التوراة والإنجيل .. لقد كانوا من الغباء بحيث أبقوا على وصف أحداث وأماكن لا يمكن أن تنطبق إلا على محمَّد - ﷺ - فمثلًا غفلوا عن هذه الكلمات في التوراة (هذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته فقال:
أقبل الرب من سيناء، وأشرق لهم من جبل ساعير وتجلى من جبل فاران) (١) حذف المغفلون اسم محمَّد ونسوا كلمة فاران .. فجبال فاران هي جبال مكة .. وموسى وعيسى وكل أنبياء بني إسرائيل ليس لهم علاقة بجبال فاران أي جبال مكة حسب التوراة والإنجيل. فمن هو النبي الذي أوحى إليه وهو فوق جبال فاران .. كما أوحي إلى موسى بين جبال سيناء .. هل هناك غير محمَّد - ﷺ -؟! شيء آخر إنه حادث الهجرة .. وحتى غزوة بدر أيضًا كان لهما إشارة في التوراة .. وقد حذف الأحبار اسم محمَّد - ﷺ - لكنهم نسوا أن الاسم وحده ليس كل شيء فالأحداث مفصلة على محمَّد - ﷺ - وحده .. هكذا تقول توراتهم: (وحي على بلاد العرب، في الوعر في بلاد العرب، بيتوا في صحراء العرب يا قوافل الدّدانين، هاتوا ماءً للعطشان يا سكان تيماء استقبلوا الهارب الجائع بالخبز (٢).
هم هاربون من أمام السيوف، ومن أمام القوس المشدودة وويلات الحرب، وهذا ما قاله لي الرب. بعد سنة يفنى كل مجد قيدار (عدنان)، ولا يبقى من أصحاب الأقواس من جبابرة بني (عدنان) قيدار غير القليل) (٣).
_________________
(١) الكتاب المقدس ٨٧٥ وانظر محمَّد
(٢) أي رسول الله - ﷺ - ومن معه وتيماء واحة عربية والدّدانيين شعب عربي.
(٣) الكتاب المقدس، إصحاح إشعيا، ٢١، ص ٨٧٥.
[ ٢ / ١٥١ ]
هذه هي النبوءة التي غفل عنها الأحبار وتعسف في تأويلها الشراح هل تنطبق على نبي غير محمَّد - ﷺ - .. من هو الذي جاء بالوحي من جهة بلاد العرب .. من هو الذي هرب وأصحابه من شدة العذاب ولظى السيوف؟
من هو النبي الذي هرب من قومه (بني عدنان) ثم حاربهم بعد عام وأفنى جبابرتهم ولم يبق من جبابرتهم سوى القليل ..؟
من هو النبي الذي أفنى هيبة قريش وهم بنو عدنان .. بعد سنة من هجرته وهروبه .. ثم إن هناك حقيقة كالشمس تزداد سطوعًا كلما حاول اليهود إخفاءها.
هذه الحقيقة هي أن التوراة تخاطب اليهود .. اليهود وحدهم .. وهي تطلب منهم أن يستقبلوا حامل الوحي القادم من بلاد العرب بالترحاب والخبز وأن ينصروه فهو هارب من السيوف المسلولة والأقواس المشدودة .. فلماذا انتقل اليهود من أرض الشام إلى المدينة (يثرب) لماذا تركوا الديار المقدسة الباردة إلى يثرب ذات المناخ الحار والحمى القاتلة ..؟ السبب بسيط: هو أن التوراة كانت فيها تفاصيل أكثر عن هذا النبي وعن مكان هجرته وعن وقت خروجه .. وإلا فما الذي حشر اليهود وجعلهم يزاحمون العرب في (يثرب) ذات الحمى والجبال الوعرة .. ما الذي جعلهم يتحملون كل هذه المعاناة .. إلا لأنهم كانوا يريدون أن يوافوا الهارب بالخبز ويحطموا به العرب والعالم .. لكن ويا لأسفهم .. هذا الهارب عربي من بي عدنان (قيدار) .. إنها كارثة كيف ينقاد بنو إسرائيل لنبي عربي بعد ذلك التاريخ الحافل بالكتب والوحي .. بعد تلك السلسلة الطويلة من الأنبياء العظام من اليهود ..؟
[ ٢ / ١٥٢ ]
كيف ينقاد اليهود المثقفون إلى نبي من هؤلاء العرب الذين تغلب عليهم الأمية وتتغلغل في نفوسهم الوثنية .. كيف يرضى اليهود بنبي عربي من بني إسماعيل ..؟ إنه ليس يهوديًا .. ليس من بني إسرائيل (يعقوب) لا ولا حتى من بني إسحاق .. أمر صعب وحقيقة مرة يرفضها اليهود .. إنها تعني في نظرهم أن يبقى اليهود وكتبهم وتاريخهم على الأرفف وفي الخزائن لإفساح المجال لهذا الجديد الذي يحمله محمَّد - ﷺ - ..
هذه قصة عجيبة تبين لنا سبب قدوم يهود إلى يثرب .. وهي تتفق مع ما ورد قبل قليل في التوراة .. دعونا نستمع إلى رجال تأثروا بالتوراة أكثر مما تأثر بها اليهود أنفسهم .. يقول هؤلاء الرجال:
(إن مما دعانا إلى الإِسلام مع رحمة الله تعالى وهداه لنا: أن كنا نسمع من رجل من اليهود وكنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا:
إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم. فكنا كثيرًا ما نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله رسول الله - ﷺ - أجبناه حين دعانا إلى الله وعرفنا ما كانوا يتواعدوننا به فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾) (١) إذًا فهم في الحقيقة لا ينتظرون
_________________
(١) سنده صحيح. رواه ابن إسحاق (سيرة ابن كثير ١/ ٢٩١) فقال: حدثني عاصم بن عمر ابن قتادة عن رجال من قومه قالوا: وعاصم تابعي ثقة عالم بالمغازي وقد سمع من هؤلاء الصحابة. .. (التقريب ١/ ٣٨٥).
[ ٢ / ١٥٣ ]
نبيًا يهديهم إلى الحق وينقلهم من الظلمات والشرك إلى التوحيد والنور .. لقد كانوا ينتظرون ملكًا يبيدون به الجيويش ويتحكمون به في العالم .. نبيًا يريدونه من نسل يعقوب وإسحاق لا من أبناء العمومة - أبناء إسماعيل .. وهذا أحد اليهود يتلفظ قبل وفاته بهذه الأمنية .. ويبين لمن حول فراشه وهو يموت سبب قدومه إلى يثرب التي يسميها أرض البؤس والجوع .. تاركًا وراءه أرض الخضرة والخمر والأنهار .. يروي لنا هذه القصة رجل من يهود بني قريظة هداه الله للإسلام .. ويحدث من نقل لنا هذه الرواية فيقول:
(هل تدري عمَّ كان إسلام ثعلبة بن سعيد وأسيد بن سعية، وأسد ابن عبيد -وهم نفر من بني هذل إخوة بني قريظة- كانوا معهم في جاهليتهم ثم كانوا سادتهم في الإِسلام؟
قلت: لا. قال: فإن رجلًا من اليهود من أرض الشام يقال له ابن الهيِّبان قدم علينا قبل الإِسلام بسنين، فحل بين أظهرنا، لا والله ما رأينا رجلًا قط لا يصلى الخمس أفضل منه. فأقام عندنا فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له: اخرج يا ابن الهيِّبان فاستسق لنا. فيقول: لا والله حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة، فنقول له: كم؟ فيقول: صاعًا من تمر، أو مدين من شعير.
قال: فنخرجها، ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرتنا فيستسقى لنا، فوالله ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ويسقي. قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاثًا. ثم حضرته الوفاة عندنا، فلما عرف أنه ميت قال:
يا معشر يهود .. ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قلنا: أنت أعلم. قال: فإني إنما قدمت هذه البلدة أتوكف
[ ٢ / ١٥٤ ]
خروج نبي قد أظل زمانه، هذه البلدة مُهاجره، فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه وقد أظلكم زمانه، فلا تُسبقن إليه يا معشر يهود، فإنه يبعث بسفك الدماء وسبي الذراري ممّن خالفه، فلا يمنعنكم ذلك منه) (١) لكن ماذا فعل بنو قريظة بعد بعثة النبي - ﷺ - .. لقد ظلوا على يهوديتهم المحرفة ولم يسلم إلا القليل .. القليل منهم .. لكن بعض اليهود لم يكتفوا بالكفر بمحمد - ﷺ - .. بل حاولوا نقض المصالحة وهدم الجسر الذي شيده - ﷺ - بعد وصوله للمدينة بين أهلها جميعًا كفارًا ويهودًا ومسلمين .. وكان أحد هؤلاء وأبرزهم يهودي حاقد .. يهودي شرير أطلق لسانه بالشتم والسباب .. ووظف موهبته الشعرية في الهجاء والسخرية من الله ورسوله وكتابه ودينه ومن دولة الإِسلام وأهلها .. ومع ذلك يأمر الله نبيه - ﷺ - بالعفو والصفح والتحمل وعدم فتح جبهة مع هذا الخائن أو ذاك .. صالحهم - ﷺ - وأمرهم بأن يعيشوا في دولة واحدة متعاونين على أعدائها متناسين ما بينهم من خلاف .. لكنهم خانوا العهد والميثاق .. وتنكروا لحسن الجوار والأخلاق .. وكان رأس الفتنة هذا يسمى: