هل صلّى النبي - ﷺ - على شهداء أحد، أم أنه لم يفعل كما حدث لشهداء بدر ﵃ جميعًا ..
_________________
(١) سنده حسن وقد مر معنا وهو حديث أنس السابق وقد حسنه الشيخ ناصر حفظه الله.
(٢) سنده صحيح رواه أحمد (٤/ ١٩) وأبو داود (٣٢١٤) والترمذيُّ (١٧١٣) وابن ماجه (١٥٦٠) والنسائيُّ (٤/ ٨١) والبيهقيُّ (٤/ ٣٤) وأبو يعلى (٣/ ١٢٤) وعبد الرزاق (٣/ ٥٠٨) والطبرانيُّ (٢٢/ ١٧٢) من طرق عن حميد بن هلال عن هشام بن عامر .. وحميد تابعي ثقة عالم وهو لم يسمع هذا الحديث من هشام .. سمعه من ابنه التابعي الثقة: سعد بن هشام .. ومن أبي الدهماء وهو ثقة أيضًا واللفظ لابن شيبة (٣/ ٣٧٢) وانظر أحكام الجنائز للإمام الألباني (١٤٢).
(٣) هو الحديث قبل السابق.
(٤) حديث صحيح رواه البخاري (١٣٤٣).
(٥) حديثٌ حسنٌ مر معنا من حديث الزهريّ عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك وله شواهد قوية.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
يحدّثنا عن ذلك أحد الذين لم يحضروا المعركة، لكنه حضر إلى أرضها بعد انتهائها .. وشاهد عمليات التكفين والدفن .. إنه ذلك الشاب الذي كانت دموعه تتساقط كالمطر على وجه أبيه- الشهيد .. إنه جابر ابن عبد الله ﵄، وهو يقول:
(لما قتل أبي يوم أحد، جعلت أكشف عن وجهه وأبكي، وجعل أصحاب رسول الله - ﷺ - ينهوني وهو لا ينهاني، وجعلت عمّتي تبكيه، فقال النبي - ﷺ -: تبكيه أو لا تبكيه مازالت الملائكة تظلّله بأجنحتها حتى رفعتموه) (١)، ثم (إن رسول الله - ﷺ - كان يجمع بين الرجلين من قتلى أُحُد في ثوب واحد، ثم يقول: أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟ فإذا أشير إلى أحد قدّمه في اللحد، وقال - ﷺ -: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة. وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصلّ عليهم ولم يغسلهم) (٢).
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (١٢٤٤).
(٢) حديث صحيح رواه البخاري (١٣٤٧). ملاحظة: ورد أنه - ﷺ - صلى على حمزة وحده .. وورد أنه صلى على حمزة وعلى بقية الشهداء كمجموعات معه ﵃ .. والذي جعلني لا أذكر هذا في المتن هو إشكال في أسانيد ومتون تلك الروايات وهذا الإشكال يتلخص في النقاط التالية:
(٣) حديث ابن إسحاق عن ابن الزبير وهو جيد الإسناد وابن إسحاق قوي الحديث إذا لم يخالف من هو أوثق منه.
(٤) حديث أنس بن مالك اضطرب فيه أسامة الليثي -وهو صدوق يهم- فمرة قال: لم يصل عليهم، ومرة قال: لم يصل على أحد من الشهداء غير حمزة .. والصواب القول الأول ثم وجدت ما يؤيد قولي هذا: وهو نقد للإمام البخاري ﵀ حيث قال إن القول الثاني غير محفوظ غلط فيه أسامة فالحمد لله.
(٥) حديث ابن عباس جيد السند لكنه مخالف لحديث أنس ولحديث جابر أيضًا لأنه ذكر أنه صلى على جميع الشهداء.
(٦) إن مما يرجح حديث جابر هو حضوره ومشاهدته للأحداث في الوقت الذي كان فيه ابن الزبير يبلغ الثانية من عمره .. بينما كان ابن عباس مع والده في مكة لكن هذا لا يلغي إمكانية الجمع والله أعلم. ولتفصيل أكثر راجع موسوعة السيرة.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
هكذا أمر الله سبحانه وهكذا فعل - ﷺ - وامتثل .. فسينهض هؤلاء الفرسان يومًا من مراقدهم مزينين بالشهادة والطعنات .. ولون الدم ورائحة العطر تفوح من جراحهم وتعطر المكان من حولهم .. كان الجو مشحونًا بالحزن .. ليس هناك أقسى ولا أكثر دموعًا وانتحابًا من لحظات الدفن ومغادرة القبر والأحباب تحت التراب .. لحظات كان فيها جابر حزنًا ودموعًا .. لكن الله أنزل ما يخفف حزنه .. فالتفت - ﷺ - إلى جابر المجروح وقال له:
(يا جابر .. ما لي أراك منكسرًا؟ قال: يا رسول الله، استشهد أبي وترك عيالًا ودينًا. قال - ﷺ -: أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك؟ قال: بلى يا رسول الله، قال - ﷺ -: [ما كلم الله أحدا قطّ إلَّا من رواء حجاب، وكلّم أباك كفاحًا]، "يا جابر أما علمت أن الله أحيا أباك" فقال: يا عبدي .. تمنّ علي أعطك. قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية. فقال الرب سبحانه:
إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون [قال: يا رب .. فأبلغ من ورائي، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾) (١) ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ
_________________
(١) حسنه الإمام الألباني في صحيح ابن ماجه -واللفظ له- (١٩٠) - (٢٨٠٠) والترمذيُّ (٣٢١٠) والذي يبدو لي أن الحديث ليس حسنًا كله .. لذلك وضعت المعقوفين بين الألفاظ التي لم أجد لها شاهدًا .. وذلك لأن هذا اللفظ تفرد به -حسب علمي- موسى بن إبراهيم ابن كثير وهو وإن روى عنه جمع من الثقات إلا أنه لم يوثق لفظيًا بل جاء عكس ذلك فقد جرحه ابن حبان في ثقاته وقال: كان ممّن يخطئ (٧/ ٤٤٩) ولعل هذه الزيادة من أوهامه .. قال الحافظ في التقريب (٢/ ٢٨٠): صدوق يخطئ وسكت عنه ابن أبي حاتم (٨/ ١٣٣). ولبقية الحديث شاهد حسن عند أحمد عن جابر .. حدثني ابن المديني عن سفيان بن عيينة عن محمَّد بن علي بن ربيعة عن ابن عقيل عن جابر .. ومحمَّد بن علي ثقة (ذيل الكاشف- ٢٥٤) =
[ ٢ / ٢٥١ ]
مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)، فرح جابر بهذه البشرى، فرح بحفاوة الرب الكريم بأبيه .. فخفّفت البشرى كثيرًا من أحزانه، لكن: