على الآطام (١) والحصون .. هم رجال شجعان أوكل إليهم - ﷺ - حراسة المدينة والرباط فيها .. وبشّر المرابطين بأجر عظيم، فقال - ﷺ -:
(رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات مرابطًا جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن من الفتان) (٢) و(رباط شهر خير من صيام دهر، ومن مات مرابطًا في سبيل الله أمن من الفزع الأكبر، وغدي عليه برزقه، وريح من الجنّة، ويجري عليه أجر المرابط حتى يبعثه الله) (٣) ..
وكان من بين الذين حظوا هذا الأجر والأمر والد حذيفة بن اليمان ذلك الرجل الذي منعه العهد والوعد من مشاركة النبي - ﷺ - في معركة بدر .. وصحابي آخر اسمه: ثابت بن وقش بن زعوراء ﵄ .. فـ (لما خرج رسول الله - ﷺ - إلى أُحد وقع اليمان بن جابر -أبو حذيفة- وثابت بن وقش بن زعوراء في الآطام مع النساء والصبيان) (٤).
_________________
(١) الحصون.
(٢) حديث صحيح رواه مسلم (انظر: صحيح الجامع- ٦٥٥).
(٣) حديث صحيح رواه الطبراني (انظر: صحيح الجامع- ٦٥٥).
(٤) سنده صحيح رواه ابن إسحاق ومن طريقه الحاكم (٣/ ٢٠٢): حدثني عاصم بن عمر بن =
[ ٢ / ١٩٥ ]
استعدّ الجميع .. وتأهبوا للخروج إلَّا رجلين .. الأول لا حاجة به إلى الاستعداد .. فهو لا يملك من هذه الدنيا شيئًا يحتاج إلى وداع أو وصية .. فأملاكه كلّها بين يديه وفي صدره .. مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف .. ابن الأم الثرية .. الشاب المنعم أيام شركه .. لا يملك الآن إلَّا سيفه وقرآنًا يملأ صدره ويملأ بيوت المدينة بعد أن سافر في بيوت الأنصار .. وزرع فيها العلم والإيمان .. هذا هو مصعب بن عمير الذي لقبه الأنصار بـ "المعلم" ..
أمّا الآخر فهو شاب يتمتّع بأحلى أيام عرسه .. إنه الآن مع عروسه .. يتبادلان عذب الكلام والأحلام .. صفو المشاعر والغرام .. وفجأة يدوي في المدينة داعي الجهاد فينسل حنظلة بن أبي عامر من فراشه ويتحول العاشق إلى محارب يودع عروسه بحرارة المحبِّ الذي لن يعود .. فتهمي دموع حبيبته وتستودعه الله الذي لا تضيع ودائعه .. فهو أغلى ما تملكه .. ويغيب حنظلة عن عينيها .. وتغيب في همومها وأحزانها التي لا تدري متى تنتهي .. أحزانها التي لا يخفّفها سوى الإيمان.
خرج - ﷺ - من المدينة متوجهًا نحو أُحد .. حاملًا سيفه "ذا الفقار" الذي غنمه من غزوة بدر .. ولم يكتف - ﷺ - بلبس درعه .. بل لبس عليه درعًا آخر .. يقول أحد الصحابة ﵃: (إن رسول الله - ﷺ - ظاهر يوم أُحد بين درعين -أو لبس درعين-) (١). وإذا كان النبي - ﷺ - الذي يحفظه الله من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وشماله ومن فوقه ومن
_________________
(١) = قتادة عن محمود بن لبيد، وعاصم تابعي ثقة من علماء المغازي ومحمود بن لبيد صحابي ﵁.
(٢) حديث صحيح انظر: صحيح أبي داود (٢/ ٤٩١).
[ ٢ / ١٩٦ ]
تحته يحتاط كل هذا الاحتياط .. فصحابته أولى .. يقول الزبير ﵁: (رأيت رسول الله - ﷺ - قد ظاهر بين درعين يومئذ) (١).
انطلق - ﷺ - لملاقاة حشود الشرك المحتقنة .. كانت رايته ترفرف في الهواء (كانت سوداء من نمرة) (٢) صوف .. أما لواؤه - ﷺ - فكان لواؤه (أبيض) (٣) .. كان كل شىء في هذا الجيش يرفرف للجنّة وعوالمها الساحرة.
كان الرجال يتجمّلون للشهادة .. إلَّا أشباه رجال خرجوا بأجساد نخرة .. وبمعنويات يجرّونها خلفهم كالذلّ .. رجال يرتجفون من كل شيء حولهم .. يحسبون كل صيحة عليهم .. خوفًا خرجوا .. خوفًا صحبوه - ﷺ - .. لكن هلعهم تفاقم عندما اقتربوا من الحقيقة -المعركة .. تحركت الخيانة في في دمائهم .. ونهضت كالشيطان تشير بأصبعها إلى الوراء .. تأمرهم بالعودة إلى المدينة وترك محمَّد - ﷺ - وأصحابه .. فاستجابوا ورجعوا .. صدم الصحابة بما حدث ولم يصدم - ﷺ - لأنه يعرفهم .. صعق الصحابة بما يجري .. هل هؤلاء مسلمون .. هب أنهم غير مسلمين هل هذا التصرّف- العار من شيم العرب وأخلاق العروبة .. أين الرجولة .. أين النخوة؟ .. هباء .. كل شيء داخل هؤلاء الخونة هباء .. إلَّا الكفر والحقد .. لكن الصحابة لم يسكتوا .. ولم يتحمّلوا هذا الموقف المخزي .. قرّر بعضهم أن
_________________
(١) سنده صحيح رواه ابن إسحاق ومن طريقه البيهقي (٣/ ٢٣٨) حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جده، عن الزبير ﵁ .. يحيى ثقة (التقريب- ٢/ ٣٥٠) ووالده تابعى ثقة - التقريب (١/ ٣٩٢).
(٢) حديث صحيح انظر: صحيح أبي داود (٢/ ٤٩١) وقد حذفت لفظًا ضعيفًا من الحديث هو "مربعة".
(٣) المصدر السابق (٢/ ٤٩١).
[ ٢ / ١٩٧ ]
يبدأوا بقتال هؤلاء الأنذال الجبناء قبل أن يقاتلوا جيش مكّة المشرك .. لكن البعض فضّل عدم إهدار طاقتهم وتدنيس أيديهم بدمائهم القذرة .. وهذا ما مال إليه - ﷺ - .. فلا بدّ من التركيز على الخطر الداهم - العاجل .. يقول زيد بن ثابت ملخصًا ما حدث من خيانة:
(إن رسول الله - ﷺ - خرج إلى أُحد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله - ﷺ - فيهم فرقتين: فرقة تقول: نقتلهم .. وفرقة تقول: لا، فأنزل الله: ﴿فَمَا لَكُمْ في الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ الله وَمَنْ يُضْلِلِ الله فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ فقال رسول الله - ﷺ -: إنها طيبة وإنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة) (١).
شعّت الفضّة ولمعت بعد أن تعرضت لنار الشدائد فانسلخ خبث النفاق عنها .. ورجع الخونة دون أخلاق إلى جحورهم في المدينة كالحيات .. كالعقارب .. وأصبح جيش محمَّد - ﷺ - قليلًا .. ضعيفًا إلَّا بالإيمان .. لكن قلّة العدد والخيانة واستعداد العدو خيّم للحظات على بعض الأنصار وهم بنو حارثة وبنو سلمة .. فقد كاد الإحباط والفشل أن يستولي عليهم .. لكن القرآن يفعل المعجزات .. نزل القرآن يغسل ما بهم من هموم وإحباط .. فثبتوا مع رسول الله - ﷺ - كالجبال .. بل لقد صار ذلك الموقف مبعث فخر لهم إلى يوم القيامة .. لقد فرحوا بما نزل من آيات تصف حالهم وتثني عليهم .. هذا أحد أبنائهم يفرح بنزول كلام الله على نبيه فيهم، فيقول:
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (٤٥٨٩) ومسلمٌ - المنافقين، وأحمدُ (٥/ ١٨٤) واللفظ لأحمد والآية عندهم إلى قوله تعالى: ﴿بما كسبوا﴾ وأكملتها للفائدة.
[ ٢ / ١٩٨ ]
(فينا نزلت: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللهُ وَلِيُّهُمَا﴾، قال: نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب -وما يسرّني- أنها لم تنزل لقول الله تعالى: ﴿وَاللهُ وَلِيُّهُمَا﴾) (١). إذًا فهم أولياء الله .. وهم بشر .. يتعرّضون لما يتعرض له البشر .. لكن القرآن زاحم ذلك الضعف حتى نفاه ..
وذكرهم بنصر لم يتوقعوه .. فدبّ الحماس في عروقهم وأرواحهم .. يقول سبحانه: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢).
صفت النفوس من الضعف .. وتخلّص الجيش من معظم الخونة .. وتوجّه الجميع إلى منطقة: