فرسول الله - ﷺ - (مر على مصعب بن عمير وهو مقتول على طريقه، فوقف عليه، ودعا له، ثم قرأ هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.
ثم قال رسول الله - ﷺ -:
أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، فأتوهم وزوروهم، والذي نفسي بيده لا يسلّم عليهم أحدٌ إلى يوم القيامة إلَّا ردوا عليه) (٢).
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (٢٨٠٥) ومسلمٌ (١٩٠٣) واللفظ له.
(٢) سنده صحيح رواه الحاكم (٣/ ٢٤) ومن طريقه البيهقي (٣/ ٢٨٤): أخبرنا أبو الحسين: عبيد الله بن محمَّد القطيعي ببغداد من أصل كتابه، حدثنا أبو إسماعيل محمَّد بن إسماعيل، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، حدثنا سليمان بن بلال، عن عبد الأعلي بن عبد الله بن أبي فروة، عن قطن بن وهب، عن عبيد بن عمير، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ -: =
[ ٢ / ٢٤٦ ]
وقف - ﷺ - أمام هؤلاء الأبرار وبشّرهم .. هؤلاء الأبرار الذين سافروا إلى جناتهم .. التي لا تعرف مللًا ولا شقاءً ولا رتابة .. جناتهم التي علت كل طموح وفاقت كل تصوّر .. أمّا رسول الله - ﷺ - فهو بينهم وسيبدأ بعد قليل بدفنهم .. لكن امرأة مذهولة تركض نحو الشهداء .. يحملها الحزن والوجد وتحمل في يديها شيئًا .. أشفق - ﷺ - عليها .. وخاف على مشاعرها فأمر الصحابة أن يحولوا بينها وبين فضائع التشويه التي فعلها الوثنيون بأجساد الشهداء .. يقول الزبير ﵁: (إنه لما كان يوم أحد أقبلت امرأة تسعى حتى كادت أن تشرف على القتلى، فكره النبي - ﷺ - أن تراهم، فقال: المرأة .. المرأة.
قال الزبير: فتوسمت أنها صفية، فخرجت أسعى إليها، فأدركتها قبل أن تنتهي إلى القتلى. فلدمت في صدري -وكانت امرأة جلدة- قالت: إليك عني لا أرض لك.
فقلت: إن رسول الله - ﷺ - عزم عليك.
فوقفت، وأخرجت ثوبين معها فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة، فقد بلغني مقتله، فكفنوه فيهما. قال الزبير: فجئنا بالثوبين لنكفن فيهما حمزة، فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار قتيل، فعل به كما فعل بحمزة، فوجدنا غضاضة وخنى أن يكفن حمزة في ثوبين، والأنصاري لا كفن له، فقلنا: لحمزة ثوب، وللأنصاري ثوب، فقدرناهما، فكان أحدهما أكبر من
_________________
(١) = وهذا السند صحيح. عبيد مجمع على ثقته، ولد على عهد النبي - ﷺ - (التقريب- ١/ ٥٤٤) وتلميذه صدوق (التقريب-٢/ ١٢٧) وعبد الأعلى: ثقة فقيه (السابق- ١/ ٤٦٤) وسليمان التيمي ثقة من رجال الشيخين (السابق-٢/ ٣٢٢) والأويسي ثقة أيضًا (السابق-١/ ٥١٠) وتلميذه ثقة حافظ (التهذيب- ٩/ ٦٢) والتقريب (٢/ ١٤٥).
[ ٢ / ٢٤٧ ]
الآخر، فأقرعنا بينهما، فكفنّا كل واحد منهما في الثوب الذي طار له) (١) .. إذًا فقد حصل حمزة على كفن بعد أن كان ثوبه هو كفنه .. واقتسم المهاجرون والأنصار الأشجان والكفان .. وها هو أمير الاقتسام والكرام .. سعد بن الربيع مضرجًا بدمائه .. ينظر إليه عبد الرحمن بن عوف .. مودعًا أخًا لم تلده أمه .. محتفظًا بجميله .. محتفظًا بجماله الأنصاري .. في ذلك اليوم الذي قدم فيه عبد الرحمن بن عوف من مكة معدمًا لا يملك شيئًا .. في ذلك اليوم توهج سعد بن الربيع بدرًا في ليل ابن عوف وأحزانه ..
قدم المهاجرون من مكة و(لما قدموا المدينة آخى رسول الله - ﷺ - بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع فقال لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالًا، فأقسم مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمّها لي أطلقها فإذا انقضت عدّتها فتزوّجها) (٢) .. ها هو الكريم راقد رقدة الموت .. قد ترك خلفه زوجة واحدة وابنتين (٣) يبكينه بحرقة .. وها هو حذيفة بن اليمان ﵁ أمام جسد والده الطاهر يبكي .. وفي مكان آخر يذرف هشام بن عامر بن أمية الأنصاري يذرف دموعًا على والده الحبيب .. كانت الساحة تغصّ بالأحزان والدموع .. كثر البكاء ..
_________________
(١) سنده قوي رواه أحمد (١/ ١٦٥) والبزار (٣/ ١٩٥) والحارث زوائد (٢/ ٧٠١) وأبو يعلى (٢/ ٤٥) من طريق سليمان بن داود الهاشمي أخبرني ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن عروة أخبرني أبي الزبير وهذا السند رجاله ثقات لكن علته هو عبد الرحمن بن أبي الزناد وهو صدوق لكنه تغير عند قدومه بغداد وكون سليمان بغدادي يعكر صفو هذا السند .. لكنه لم ينفرد فقد تابعه يحيى بن زكريا بن أبي زائدة وهو ثقة متقن والراوي عنه ثقة إلا إذا روى عن علي بن مسهر، وهذه ليست منها وقد وثقه أبو حاتم وابن قانع ومدحه ابن معين التهذيب (١/ ١٦٩) وهذه المتابعة عند البيهقي في السنن (٣/ ٤٠١).
(٢) حديث صحيح رواه البخاري (٣٧٨٠).
(٣) سيمر معنا الدليل لاحقًا.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
(وكثر القتلى، وقلّت الثياب) (١). يقول هشام بن عامر ﵁:
(شكي إلى رسول الله - ﷺ - شدّة الجراح يوم أُحد، فقال - ﷺ -: احفروا وأوسعوا وأحسنوا وادفنوا في القبر الاثنين والثلاثة، وقدموا أكثرهم قرآنًا، فقدموا أبي بين يدي رجلين) (٢) .. (وكان يكفن الرجل أو يكفن الرجلين والثلاثة في الثوب الواحد، وكان رسول الله - ﷺ - يسأل عن أكثرهم قرآنًا، فيقدمه إلى القبلة فدفنهم رسول الله - ﷺ -) (٣) دون أن يغسلهم .. دفنهم بجراحهم الطاهرة ودمائهم العبقة .. (أمر بدفنهم في دمائهم- ولم يغسلوا) (٤). وقال - ﷺ -: (أنا شهيد على هؤلاء، لفّوهم في دمائهم فإنه ليس جريح يجرح في الله إلَّا جاء وجرحه يوم القيامة يدمي، لونه لون الدم، وريحه ريح المسك) (٥).
هذا ما جرى حول الدفن والكفن .. لكن ماذا عن: