وعينين جبل .. وأُحد جبل آخر وبينهما وادٍ (٣) .. وصل الجيش المؤمن، فتوقف النبي - ﷺ - .. وتوقف أصحابه .. وعندما لامست أقدامهم تلك الأرض .. تأمّلها - ﷺ - جيدًا .. وتأمل أصحابه فوجدهم قلّة .. فأدار المعركة من مخيلته قبل أن تدور على الأرض .. فرأى جبل أُحد .. قال أنس بن مالك ﵁: (إن النبي - ﷺ - طلع له أُحد فقال: هذا جبل يحبّنا ونحبه) (٤)، تأمل - ﷺ - أُحدًا فوجده حبيبًا للمؤمنين يتمنى خدمتهم في مثل هذه الظروف القاسية .. فوظفه - ﷺ - توظيفًا يرجح به كفة جيش صغير
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (٤٥٥٨).
(٢) سورة البقرة: الآيتان ١٢١ - ١٢٣.
(٣) هذا ما جاء في البخاري في حديث طويل (٤٠٧٢).
(٤) حديث صحيح رواه الإِمام البخاري (٤٠٨٤).
[ ٢ / ١٩٩ ]
على جيش كبير كجيش قريش .. لقد قرر - ﷺ - أن يستخدم هذا الجبل كدرع خلفي للجيش .. ليس هذا فحسب .. بل جعل من هذا الجبل قاعدة جوية تنتشر من أعلاه مظلّة تساند الجيش أثناء المعركة وتحميه من أي التفاف قد يقوم به المشركون من خلف الجبل .. لا سيما وأنّهم قد سبقوا المسلمين إلى موقع المعركة .. وهذا ما أوجب دقّة التخطيط وضرورة الدقّة في التنفيذ .. وأهمية الانضباط في العمل .. أخرج - ﷺ - من الجيش مجموعة من الرماة وحدّد لهم موقعًا على الجبل وأمرهم بالبقاء فيه مهما كانت الظروف .. مهما كانت النتيجة .. و(جعل النبي - ﷺ - على الرماة يوم أُحد عبد الله بن جبير) (١) قائدًا لا يجوز لهم أن يعصوه ..
لقد كان - ﷺ - يدرك خطورة الموقف وشدّته .. كان واضحًا وصارمًا في تعاليمه للرماة .. لقد (أقامهم في موضع ثم قال: احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نُقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا غنمنا فلا تشركونا) (٢)، لا مكان للتوقعات والظنون .. ولا للحماس الزائد .. كان - ﷺ - يريد عزلهم عن كل هذه الأمور كي يركزوا ويكرّسوا كل طاقاتهم واهتمامهم لوظيفتهم التي حدّدها - ﷺ - هي واضحة جدًا .. جدًا ..
_________________
(١) حديث صحيح رواه الإِمام البخاري (٣٩٨٦).
(٢) ظاهر إسناده الضعف لكنه صحيح رواه الإِمام أحمد (١/ ٨٧ - ٢/ ٢٨١٨) حدثنا سلمان ابن داود، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله عن ابن عباس .. وعبيد الله تابعى ثقة ثبت - التقريب (١/ ٥٣٥) وأبو الزناد تابعى ثقة أيضًا (التقريب- ١/ ٤١٣) وعبد الرحمن بن أبي الزناد ثقة تغير حفظه عندما قدم بغداد .. وسليمان بن داود سكن بغداد وهو ثقة فقيه جليل .. لكن الناقد الثقة المعروف علي بن المديني ﵀ له رأي في رواية سليمان عن عبد الرحمن حيث يقول: (ما روى سليمان الهاشمي عنه فهي حسان، نظرت فيها فإذا هى مقاربة وجعل علي يستحسنها، ذلك من علي يعقوب ابن شيبة وذكره الإِمام الترمذيُّ في علله (٢/ ٦٠٦).
[ ٢ / ٢٠٠ ]
وهل هناك أشدّ صرامة من قوله - ﷺ - للرماة (إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم) (١).
سمع الرماة وأطاعوا .. وصعدوا خلف قائدهم عبد الله بن جبير وأخذ كل منهم موقعه على الجبل ..
أمّا على الأرض .. فقد كان هذا النبي والقائد العبقري - ﷺ - ينظم صفوفه .. سندعه يكمل تنظيم جيشه بينما نلقى نظرة على ذلك الجيش الوثني المحتقن بالثأر وبهزيمة بدر .. إنه يقبع قرب جبل "عينين" وهذا ما جعلهم يسمونه "عام عينين" (٢)، بينما كان المسلمون يسمّونه "عام أُحُد" ..
كان جيش قريش يفتقد إلى أشياء كثيرة .. أهمّها الهدف الموحد والبعيد للمعركة .. كانت المعركة بالنسبة لهم ذات أهداف شخصية بالدرجة الأولى .. فعكرمة خرج للثأر لأبيه .. وأبي بن خلف جاء ليقتل رسول الله - ﷺ - ثأرًا لمصرع أخيه أمية بن خلف .. وجبير بن مطعم لا أدري هل كان ضمن الجيش أم لا .. لكنه يحلم بالثأر لعمّه من حمزة .. وبما أنه لا أحد يقدر على مواجهة حمزة .. فقد فضّل أن يقدم عرضًا لمن يقوم بهذه المهمة .. فعرض على عبده "وحشي" القيام بذلك مقابل حريّته .. ووحشي لن يواجه حمزة ولا يستطيع .. لكنه يجيد الرماية بالحربة وهو أمر ممكن لأن حمزة سيكون بعيدًا عندها .. ولا تحتاج هذه المهمة سوى إلى
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (٣٠٣٩).
(٢) دليلي على ذلك تسمية وحشي لغزوة بـ "عام عينين" كما جاء ذلك عند البخاري (٤٠٧٢) وكان وحشي ضمن جيش المشركين.
[ ٢ / ٢٠١ ]
الانتظار والترقّب .. قدم المطعم عرضه فقبل وحشي القيام بهذه المهمة من أجل الحرية .. والحرية فقط .. فوحشي ليس بينه وبن المسلمين أي عداء .. عدوّه الوحيد هو الرق .. أمّا أبو سفيان فربما أخرجته للمعركة زعامته الجديدة لقريش بعد هلاك الطواغيت السبعة ومصرعهم على ساحة بدر .. وربما حرضته على ذلك زوجته هند التي كانت تتحرق للثأر .. بعد هلاك أبيها وعمّها وأخيها على يد حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث ﵃ .. ومن الأشياء التي يفتقدها الجيش الوثني: حب الموت والاستبشار بالشهادة .. فهم يحرصون على الحياة كحرص المؤمنين على الشهادة .. وهذا الشىء هو سرّ تحطّم أعتى الجيوش على أيدي المؤمنين ..
ومن الأشياء التي يفتقدها جيش قريش: النظام .. فمن الصعب جدًا أن تسيطر على جيش يبحث كل فرد فيه عن فرد ضمن جيش آخر .. هناك تشتّت في الاتجاه والهدف .. وهذا ما حرص - ﷺ - على إبعاده عندما قال للرماة:
(إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم) (١).
واقتربت المعركة بين جيشين: جيش قوي .. وجيش ذكى .. فكانت: