عاد جبير بن مطعم منكسرًا إلى مكة .. يحمل الحسرة والهزيمة .. تاركًا طواغيت قريش في تلك البئر المنتنة .. تاركًا عمه "طعيمة" مجندلًا على أرض بدر تحرقه السوافع .. بعد أن أحرقه حمزة بسيفه الملتهب .. ثم عاد جبير إلى المدينة مرة أخرى يطلب إطلاق الأسرى دون مقابل .. لكن النبي - ﷺ -
_________________
(١) هو حديث أبى داود الطيالسي السابق وما بين المعقوفين عند البزار بسند صحيح (زوائد- ٣/ ٢٤٦)، والزيادة الأولى للنسائي والزيادة الرابعة لابن سعد (٨/ ٤٣٢) والسادسة والثامنة والثالثة عشر للبخارى ولتفصيل أكثر انظر كتاب الجنائز للشيخ الألباني حفظه الله (٢٤).
[ ٢ / ١٨١ ]
أجابه تلك الإجابة العظيمة التي يعترف بها - ﷺ - بمعروف والده المطعم ابن عدي .. فقال له: (لو كان المطعم بن عدي حيًا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له) (١) .. فانكسر جبير بن المطعم بن عدي مرة أخرى .. ومضى إلى مكة كالحيرة بين الاحترام لوالده والاحتراق لعمه .. عاد يحمل إيمانًا يرزح تحت أطنان من العادات والتقاليد والأصنام .. وكان أشدّ هذه الموروثات على نفسه شيطان كالجحيم .. شيطان اسمه: الثأر.
حوصر جبير بن مطعم بعد وصوله إلى مكة بالنواح على عمه .. بشقِّ الجيوب ولطم الخدود .. حوصر بالاستفزاز الجاهلي حتى غلى الثأر في رأسه وعروقه .. جمع أبو سفيان الكفر وأهله متجهًا بهم نحو المدينة .. فأحسّ جبير بوخز الثأر .. فنادى عبدًا مملوكًا له اسمه "وحشى" .. وكان أمهر الناس برمي الحربة فهو نادرًا ما يخطئ هدفه .. نادى جبير "وحشيًا" ليفتح له بابًا للعتق من الذل .. ناداه ليخلصه من هذا الرق والحصار الكريه .. ناداه وأغراه بأحلام كل العبيد .. أغراه بـ: