وبعدما اجتمعوا شاورهم جميعًا دون استثناء .. وكان رأيه - ﷺ - ورأي بعض الصحابة أن يقاتلوا داخل المدينة .. وقص عليهم - ﷺ - رؤياه .. لكن أناسًا منهم لم يحضروا غزوة بدر .. غمرهم الحماس وأصرّوا على الخروج لتأديب أولئك الوثنيّين .. لعل أحدهم عمّ أنس بن مالك واسمه أنس بن النضر .. يقول أنس عن عمّه ﵄: (عمي أنس -سمّيت به- ولم يشهد مع رسول الله - ﷺ - يوم بدر، فشقّ عليه، وقال: أول مشهد (١) شهده رسول الله - ﷺ - غبتُ عنه، ولئن أراني الله مشهدًا فيما بعد مع رسول الله - ﷺ - ليرين الله ما أصنع ..) (٢) قال أنس بن مالك: إن عمه (هاب أن يقول غيرها) (٣) .. إن رجالًا بهذه المعنويات لا يمكن أن يقنعوا بقتال الشوارع والمدن .. إنهم يريدون ساحات ومساحات يعانقون فيها الخلود .. وينتشون فيها بريق الشهادة والسيوف.
لكن الحماس لا يعني الانتصار .. والمعنويات لا تكفي .. فخارج هذه المدينة يربض عدو استعدّ وأعدّ وكشرّ .. عدو حمل كل ما يمكن حمله للانتقام والثأر .. فالبقاء في المدينة أحكم وأسلم عسكريًا في ظلّ عدم الاستعداد والمفاجأة التي لم تكن في الحسبان .. لدرجة أن رسول الله - ﷺ - يحدّث أصحابه وهو في ثيابه العادية حتى الآن ..
قال رسول الله - ﷺ - قوله .. وأبدى رأيه وترك الاختيار لأصحابه رضي
_________________
(١) يقصد ﵁ غزوة بدر.
(٢) حديث صحيح رواه مسلم وأحمدُ واللفظ له (سيرة ابن كثير- ٣/ ٦٢).
(٣) سنده صحيح وهو جزء من حديث أحمد والبيهقيُّ السابق.
[ ٢ / ١٨٤ ]
الله عنهم .. (فقال له ناسٌ لم يكونوا شهدوا بدرًا: يخرج بنا رسول الله - ﷺ - إليهم نقاتلهم - ورجوا أن يصيبوا من الفضيلة ما أصاب أهل بدر، فما زالوا برسول الله - ﷺ - .. حتى لبس أداته (١)، ثم ندموا وقالوا: يا رسول الله .. أقم فالرأي رأيك. فقال رسول الله - ﷺ -: ما ينبغي لنبي أن يضع أداته بعد أن لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوّه) .. وقبل أن ينطلق - ﷺ - إلى أرض المعركة أحب أن يستعرض جيشه الذي تداعى من كل مكان في المدينة متلهفًا .. فأجاز من يستطيع القتال وردّ صغار السن .. هذا أحدهم: البراء بن عازب يقول ﵁: (عرضت أنا وابن عمر يوم بدر فاستصغرنا وشهدنا أحدًا) (٢)، لكن ابن عمر أرجع لأنه لم يتجاوز الخامسة عشر.
يقول ابن عمر ﵁: (إن النبي - ﷺ - عرضه يوم أُحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه) (٣) للخروج مع الجيش ..
عاد ابن عمر مكسور الخاطر بعد أن ودّع والده الحبيب .. لكنه لم يكن أكثر انكسارًا ولا حماسًا من ذلك الشيخ الكبير الذي يحاصره أبناؤه الأربعة وتحاصره الإعاقة .. إنه: (عمرو بن الجموح .. أعرج شديد العرج، وكان له أربعة بنون "مثل الأُسد يشهدون مع رسول الله - ﷺ - المشاهد" .. يغزون مع رسول الله - ﷺ - إذا غزا، فلما أراد رسول الله - ﷺ - أن
_________________
(١) أي أداة الحرب.
(٢) سنده حسن، رواه الطبراني (٢/ ٨) حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثني عمي أبو بكر، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن مطوف، عن أبي إسحاق عن البراء وشيخ الطبراني ثقة من أوعية العلم قال عنه الإِمام الألباني: فيه كلام، لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن (الصحيحة- (٤/ ١٥٦) وشيخه أبو بكر بن أبي شيبة صاحب المصنف والإمام المعروف، وعبد الله بن إدريس ثقة فقيه عابد - التقريب (١/ ٤٠١) ومطوف ثقة فاضل - التقريب (٢/ ٢٥٣) وأبو إسحاق تابعي علم مر معنا كثيرًا.
(٣) حديث صحيح رواه البخاري (٤٠٩٧).
[ ٢ / ١٨٥ ]
يتوجه إلى أُحد "أرادوا حبسه"، قال له بنوه: إن الله ﷿ قد جعل لك رخصة، فلو قعدت فنحن نكفيك، فقد وضع الله عنك الجهاد، فأتى عمرو بن الجموح رسول الله - ﷺ - فقال له: إن بني هؤلاء "يريدون أن يحبسوني" .. يمنعوني أن أخرج معك، ووالله إني لأرجو أن أستشهد معك، فأطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال له رسول الله - ﷺ -: أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد، وقال لبنيه: وما عليكم أن تدعوه لعلّ الله ﷿ يرزقه الشهادة) (١).
كان ﵁ يحلم بشوارع الجنّة تلامسها تلك العرجة وتتدلّى من شرفاتها وتخوض في مياهها العذبة .. لذلك توجّه بسؤال ينبض بالشوق إلى رسول الله - ﷺ - .. لقد (أتى عمرو بن الجموح إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل، أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة؟ -وكانت رجله عرجاء- فقال رسول الله - ﷺ -: نعم) (٢).
إجابة ملأت صدر عمرو بن الجموح بالنهار .. إجابة ألجمت الأسود الأربعة .. فخرجوا كالأشبال حول هذا الشيخ الجسور .. خرجوا دون أن يودعوا أمّهم فاطمة .. فهي ليست في البيت الآن .. لأنها تسير مع رفيق دربها وحبيبها .. أخرجها الشوق إلى الجنّة مثلما أخرج زوجها وأبناءها .. وكان لفاطمة العظيمة هذه أخ اسمه: عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري .. وعبد
_________________
(١) رواه ابن إسحاق ومن طريقه البيهقي (٣/ ٢٤٦) والزوائد عند ابن كثير: حدثني والدي عن أشياخ من بني سلمة: ووالد ابن إسحاق تابعي ثقة يروي عن الصحابة ولعل هؤلاء منهم -وهو الأرجح- لأنه يروي هذه الصيغة عن الصحابة، وهؤلاء جمع ومن بني سلمة- وهم قوم جابر وعمرو بن الجموح وإلا فالسند مرسل
(٢) سنده حسن رواه أحمد (٥/ ٢٩٩) وابن أبي شيبة (الإصابة- ٧/ ٩٦) .. حدثنا أبو صخر ابن زياد أن يحيى بن النضر حدثه عن أبي قتادة وأبو صخر حسن الحديث إذا لم يخالف (التهذيب- ٣/ ٤١) وشيخه تابعي ثقة (التقريب- ٢/ ٣٥٩).
[ ٢ / ١٨٦ ]
الله هذا صديق حميم لزوجها عمرو بن الجموح .. لكن أحوال عبد الله بن عمرو بن حرام مختلفة عن أحوال صديقه .. كان لعمرو بن الجموح أربعة أبناء يحاولون إبقاءه في بيته .. أما عبد الله فله ولد وحيد اسمه جابر .. وهو يمنعه الآن من الخروج .. إنه يأمره بالبقاء في المدينة .. فظروف بيت عبد الله تستدعي أن يبقى أحد الاثنين .. ولابد للابن من أن يطيع والده .. لكن لماذا لا يخرج الاثنان إلى المعركة كما خرج عمرو وأبناؤه وأمّهم جميعًا ..؟ دعونا نتوجّه إلى بيت جابر بن عبد الله إنه ليس ببعيد .. ها هو البيت .. بيت جميل بالإيمان والأحلام والفتيات .. بيت يغرق بالمشاعر والدموع والرجال. في عالم بين: