فبأيهما سيأخذ .. يقول عبد الله بن عباس ﵄:
(لما أسروا الأسارى، يعني يوم بدر، قال رسول الله - ﷺ -: أين أبو بكر وعمر وعلي؟) (٢) ..
_________________
(١) حديث صحيح. رواه البخاري (٤٠٢٤).
(٢) حديث صحيح. رواه مسلم وأبو داود والترمذيُّ وابن جرير في التفسير (٦/ ٢٨٧) واللفظ له .. من طريق عكرمة بن عمار حدثنا أبو زميل، حدثني عبد الله بن عباس وتلميذ عكرمة عند ابن جرير هو الثقة عمر بن يونس اليمامي وتلميذه شيخ ابن جرير أوثق منه وهو محمَّد بن بشار الشهير بـ (بندار). انظر التقريب (٢/ ٦٤) و(٢/ ١٤٧).
[ ٢ / ١٢٦ ]
وجاء أبو بكر وجاء عمر وجاء علي ﵃ .. ولما وقفوا أمامه - ﷺ - قال لهم: (ما ترون في الأسارى؟
فقال أبو بكر: يا رسول الله هم بنو العم والعشيرة، وأرى أن تأخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار، وعسى الله أن يهديهم للإسلام. فقال رسول الله - ﷺ -: ما ترى يا ابن الخطاب؟ فقال: لا والذي لا إله إلا هو .. ما أرى الذي رأى أبو بكر يا نبي الله، ولكن أرى أن تمكننا منهم:
فتمكن عليًا من عقيل فيضرب عنقه .. وتمكن حمزة من العباس فيضرب عنقه .. وتمكنني من فلان -نسيب لعمر- فأضرب عنقه.
فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوي رسول الله - ﷺ - ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت -قال عمر- فلما كان من الغد، جئت إلى رسول الله - ﷺ -، فإذا هو وأبو بكر قاعدان يبكيان، فقلت: يا رسول الله، أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت. فقال رسول الله - ﷺ -: أبكي للذي عرض لأصحابي من أخذهم الفداء، ولقد عُرض علي عذابكم أدق من هذه الشجرة .. -لشجرة قريبة من رسول الله- فأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا ﴾ (١» (٢).
_________________
(١) سورة الأنفال الآية: ٦٧ - ٦٩.
(٢) حديث صحيح. رواه مسلم وأبو داود والترمذيُّ وابن جرير في التفسير (٦/ ٢٨٧) واللفظ له .. من طريق عكرمة بن عمار حدثنا أبو زميل، حدثني عبد الله بن عباس وتلميذ عكرمة عند ابن جرير هو الثقة عمر بن يونس اليمامي وتلميذه شيخ ابن جرير أوثق منه وهو محمَّد بن بشار الشهير بـ (بندار). انظر التقريب (٢/ ٦٤) و(٢/ ١٤٧).
[ ٢ / ١٢٧ ]
بكى - ﷺ - وبكى صاحبه من خشية الله .. وتلا على أصحابه عتاب الله له .. لم يخفه عنهم .. ولم يضمر هذه الآيات في نفسه .. بل أعلنها للجميع .. أعلنها لأنها وحي .. وأعلنها لأنه صادق .. ولو لم يكن صادقًا لما كان نبيا .. كانت تلك الآيات تحمل كرامة لعمر وتصويبًا لرأيه .. فهؤلاء الرجال خرجوا لحرب الله ورسوله .. صحيح أن بعضهم كاره والبعض قد استدرج واستفز من قبل أبي جهل .. لكن ألا يستطيع هؤلاء وهؤلاء أن يقولوا: لا؟!
تألم - ﷺ - لما حدث .. لكن الله رحيم بنبيه .. لم يتركه لآلامه ودموعه .. بعث له جبريل مرة أخرى .. يحمل بشرى بالفداء والجنة ..
ها هو (جبريل نزل على النبي - ﷺ - في أسارى بدر فقال:
إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم أخذتم منهم الفداء واستشهد قابل منكم سبعون .. فنادى النبي - ﷺ - في أصحابه .. فجاءوا، أو من جاء منهم، فقال - ﷺ -:
هذا جبريل يخيركم بين أن تقدموهم فتقتلوهم، وبين أن تفادوهم واستشهد قابل منكم بعدتهم .. فقالوا:
بل نفاديهم فنتقوى به عليهم، ويدخل منا الجنة سبعون، ففادوهم) (١). أي يستشهد منا سبعون في السنة القادمة.
_________________
(١) سنده صحيح. رواه الترمذيُّ والنسائيُّ وابن ماجه (سيرة ابن كثير ٢/ ٤٦٠) عن عبيدة عن علي ورواه ابن سعد (٢/ ٢٢) عن ابن سيرين عن عبيدة مرسلًا وهو كما ترى موصول عند أصحاب السنن المذكورين .. وسنده صحيح وهو: سفيان الثوري عن هشام ابن حسان، عن محمَّد بن سيرين عن عبيدة عن علي وهذا السند كالذهب: عبيدة السلماني تابعي كبير، ومخضرم ثقة ثبت، من رجال الشيخين (التقريب ١/ ٥٤٧) وتلميذه تابعي ثقة ثبت عابد كبير القدر لا يرى الرواية بالمعنى قال عنه تلميذه الثقة وأثبت الناس عنه هشام بن حسان: حدثني أصدق من أدركته من البشر (التهذيب ٩/ ٢١٥) وتلميذه ثقة (التقريب ٢/ ٣١٨) وسفيان ثقة وعلم من أعلام الأمة.
[ ٢ / ١٢٨ ]
وهكذا (فادى النبي - ﷺ - بأسارى بدر، فكان فداء كل واحد منهم أربعة آلاف) (١) أي أربعة آلاف درهم ..