دعونا نقترب منه .. إنه يقف على قدميه .. يترنّح من الألم والبرد يزيد من آلامه .. ها هو .. إنه ليس من الجنّ .. إنه أحد أفراد جيش أبي سفيان .. وقد كان طوال اليوم يتظاهر بالموت والدم ينزف منه .. يقول أنس بن مالك: (كان وهب بن عمير شهد أُحدًا كافرًا، فأصابته جراحة، فكان في القتلى، فمرّ به رجل من الأنصار، فعرفه فوضع سيفه في بطنه حتى خرج من ظهره ثم تركه، فلما دخل الليل وأصابه البرد لحق بمكة، فبرأ، فاجتمع هو وصفوان بن أمية في الحجر، فقال وهب: لولا عيالي ودين عليّ لأحببت أن أكون أنا الذي أقتل محمدًا، فقال له صفوان: كيف تصنع؟
[ ٢ / ٢٥٧ ]
فقال: أنا رجل جواد لا ألحق، آتيه فأغترّه، ثم أضربه بالسيف، فألحق بالخيل ولا يلحقني أحد.
فقال له صفوان: فعيالك مع عيالي، ودينك علي) (١).
لن أكمل هذا الحوار .. سأترك الرجلين وما يكيدان لألحق بحبيبي - ﷺ - .. ها هو يسير نحو المدينة الحزينة .. دون حمزة .. دون سبعين من الشهداء الأبرار .. والبيوت تضجّ بالحزن والنواح .. يدخل - ﷺ - المدينة ويمشي بين أبياتها .. فيحاصره النواح والبكاء في كل الطرقات والدروب ..
لم يتوقف النواح في المدينة ولم تتوقف الدموع .. ولا الأحزان .. إنها تتقاطر من قلوب المؤمنين .. كما يتقاطر سيف هذا المحارب المخيف .. الذي يسلم لحبيبته سيفًا أحمر يتقاطر موتًا .. سيفًا حنته المعركة لكنها لم تَحْنِ حامله ..
إنه عليّ بن أبي طالب وهو الآن برفقة رسول الله - ﷺ - .. ولا أعلم هل هما في بيت النبي - ﷺ - أم في بيت فاطمة ..؟
يبدو أنهما في بيت فاطمة ﵂، فقد (جاء علي ﵁ بسيفه يوم أحد قد انحنى فقال لفاطمة ﵂: هاكي السيف
_________________
(١) سنده قوي رواه الطبراني (١٧/ ٦٢) وابن منده -ذكره في الإصابة .. وسند الطبراني: حدثنا أحمد بن زهير التستري، حدثنا محمَّد بن سهل بن عسكر، حدثنا عبد الرواق، أخبرنا جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني- لا أعلمه إلا عن أنس بن مالك: وقد توبع ابن عسكر عند ابن منده تابعه أبو الأزهر .. وأبو الأزهر حسن الحديث إذا لم يخالف، ومحمَّد بن سهل ثقة، انظر التقريب (٢/ ١٦٧) وعبد الرزاق معروف، وجعفر بن سليمان صدوق من رجال مسلم- التقريب (١/ ١٣١) وأبو عمران الجوني اسمه: عبد الملك بن حبيب الأزدي تابعي ثقة من رجال الشيخين، التقريب (١/ ٥١٨). وابن منده من شيوخ الطبراني.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
حميدًا فإنها قد شفتني. فقال رسول الله - ﷺ -: لئن كنت أجدت الضرب بسيفك لقد أجاده سهل بن حنيف، وأبو دجانة وعاصم بن ثابت الأقلح، والحارث بن الصمة) (١).
توجّه - ﷺ - إلى بيته خلال النواح والبكاء .. إنه يستمع إلى النائحات والوجد يحرق أكبادهن .. فيتذكر عمّه حمزة ﵁ .. وتعاوده الأحزان من جديد .. فيستجيب لها بكلمات تفيض حزنًا ووفاءً لذلك الفقيد الحميم .. فقد (مرّ - ﷺ - بنساء بني الأشهل) (٢) عندما (رجع رسول الله - ﷺ - يوم أُحد فسمع نساء بني الأشهل يبكين على هلكاهنّ، فقال:
لكن حمزة لا بواكي له، فجئن نساء الأنصار فبكين على حمزة عنده .. ورقد - ﷺ - فاستيقظ وهن يبكين، فقال: ويلهنّ إنهن لها هنا حتى
_________________
(١) سنده صحيح رواه الحاكم (٣/ ٢٤) واللفظ له والطبرانيُّ (٧/ ١٢٢) (١١/ ٢٥١) وسند الحاكم هو حدثنا أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله الصفار، حدثنا أبو الحسن علي بن محمَّد الثقفي بالكوفة حدثنا منجاب بن الحارث التميميّ، قال: وزعم سفيان بن عيينة عن عمرو ابن دينار عن عكرمة عن ابن عباس وهذا السند صحيح فسفيان وعمرو وعكرمة أئمة ثقات معروفون ومنجاب التميميّ ثقة من رجال مسلم (التقريب-٢/ ٢٦٤) فقول الحاكم ﵀ إن الحديث على شرط البخاري فيه نظر .. بل العكس لأن منجاب من رجال مسلم فقط فالحديث على شرط مسلم .. وأبو الحسن الثقفي ثقة انظر: تاريخ بغداد (١٢/ ٦٣) وشيخ الحاكم عالم ثقة قال عنه تلميذه الحاكم: أنه محدث عصره. انظر: سير أعلام النبلاء (١٥/ ٤٣٧) وقد توبع الثقفي عند الطبراني وفيه تصريح بسماع سفيان من عمرو.
(٢) سنده حسن رواه ابن ماجه (الصحيح ١/ ٢٦) والحاكم (٣/ ١٩٥) ابن وهب وعبيد الله ابن موسى أخبرنا أسامة بن زيد عن نافع عن ابن عمر وأسامة بن زيد حسن الحديث إذا لم يخالف (التقريب- ١/ ٥٣) وصحح الحديث الإمام الألباني في صحيح ابن ماجه (١/ ٢٦٥) وبقية السند كالذهب.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
الآن) (١) (ويحهن ما انقلبن بعد) (٢) ولا انصرفن إلى بيوتهن حتى الآن .. إنها بعض عادات الجاهلية التي لا زال التمسك بها مباحًا حتى الآن .. لكنها عادة لا تعبّر عن الحزن العميق فقط .. إنها تتجاوز الحزن إلى شيء خطير جدًا .. شيء جاء الإِسلام ليمحوه من أعماق كل مؤمن ومؤمنة.، وهذا الشيء هو الجزع من أقدار الله والاحتجاج على قضائه .. وهذا قد يؤدي إلى هدم أحد أركان الإيمان الستّة التي جاء بها الإِسلام .. وهو الركن السادس.
فأركان الإيمان هي:
١) الإيمان بالله.
٢) وملائكته.
٣) وكتبه.
٤) ورسله صلّى الله عليهم جميعًا.
٥) والإيمان باليوم الآخر والبعث والنشور.
٦) الإيمان بقضاء الله وقدره.
ولهذا نزل الأمر من الله بـ: