اسمه: عمرو بن أقيش .. أراد أن يسلم في يوم من أيام السلام والسكون .. لكنه كان يتعامل بالربا مع بعض المشركين .. ولم يكن في عجلةٍ من أمره لكي يسلم .. ففضل أن يذهب ليأخذ رباه بصفته مشركًا ثم يعود لكي يعلن إسلامه .. سافر إلى المكان المقصود قبل غزوة أحد ثم عاد ليجد المدينة لا تضحي بأموالها فقط .. بل تضحي بأرواحها طاعة لله ولرسوله - ﷺ - .. فهانت أموال عمرو أمام عينيه .. وهان رِبَاه .. وهان كل شيء في نظره .. وكشفت الشدائد عن معدنه .. وكشف لنا أحد الصحابة عن خبره .. فقال: (إن عمرو بن أقيش كان له رِبًا في الجاهلية، فكره أن
_________________
(١) الحصون أو البيوت المرتفعة.
(٢) سنده صحيح رواه إسحاق ومن طريقه الحاكم (٣/ ٢٠٢): حدثني عاصم بن عمرو بن قتادة عن محمود بن لبيد .. وعاصم تابعي عالم بالمغازي وهو أحد الثقات .. التقريب (١/ ٣٨٥) وشيخه صحابيّ ﵁.
(٣) سنده صحيح رواه إسحاق ومن طريقه الحاكم (٣/ ٢٠٢): حدثني عاصم بن عمرو بن قتادة عن محمود بن لبيد .. وعاصم تابعي عالم بالمغازي وهو أحد الثقات .. التقريب (١/ ٣٨٥) وشيخه صحابي ﵁.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
يسلم حتى يأخذه، فجاء يوم أحد، فقال: أين بنو عمي؟ قالوا: بأُحُد، قال: أين فلان؟ قالوا: بأُحد، قال: أين فلان؟ قالوا: بأُحد.
فلبس لأمته، وركب فرسه ثم توّجه قِبَلهم، فلما رآه المسلمون، قالوا: إليك عنا يا عمرو. قال: إني قد آمنت، فقاتل حتى جرح فحمل إلى أهله جريحًا، فجاء سعد بن معاذ، فقال لأخته: سليه حمية لقومك، أو غضبًا لهم، أم غضبًا لله ﷿؟ قال: بل غضبًا لله ﷿ ورسوله، فمات، فدخل الجنّة وما صلّى لله صلاة) (١) .. دخل الجنّة كما دخلها عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام.
دخل الجنّة وما صام لله يومًا .. يا لكرم الله .. الجنّة - خلودها وسحرها وعوالمها لهذا الفارس من أجل لحظات .. لكنها لحظات من التوحيد .. لحظات شارك فيها عمرو بن أقيش في هزيمة الأصنام وأهلها .. شارك فيها أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا .. شارك فيها طلحة وأبا عبيدة وسعيد بن زيد وسعد وعبد الرحمن بن عوف والزبير .. وسعد بن معاذ وسعد بن عبادة وأبا دجانة .. وأنس بن النضر .. أنس بن النضر الذي بهر من يراه بشجاعته .. لقد برّ بقسمه .. ها هو كالأسد بين الصفوف لا تزيده الجراح الكثيرة إلَّا شراسة وإقدامًا في الفتك بأعداء الله .. لا يتفوّق عليه إلَّا حمزة الذي كان يقاتل بطريقة جديدة ويصرخ بمعنويات شهيد .. شاهده سعد بن أبي وقاص ونقل ما شاهد .. فقال:
_________________
(١) سنده لا بأس به رواه الأئمة: أبو داود (٢/ ٤٨٢) والبيهقيُّ في السنن (٩/ ١٦٧) والحاكم (٢/ ١٢٤) كلهم من طريق شيخ أبي داود: موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، أنبأنا محمَّد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبا هريرة .. وموسى ثقة ثبت من رجال الشيخين وشيخه مثله إلا أنه من رجال مسلم - التقريب (١/ ١٩٧) (٢/ ٢٨٠) ومحمَّد بن عمرو حسن الحديث إذا لم يخالف انظر التهذيب (٩/ ٣٦٧) وشيخه التابعيّ الثقة ابن الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف (التقرب- ٢/ ٤٣٠).
[ ٢ / ٢٠٩ ]
(كان حمزة بن عبد المطلب يقاتل يوم أُحُد بين يدي رسول الله - ﷺ - بسيفين، ويقول: أنا أسد الله) (١) .. كان حمزة يحزّ الرقاب .. ويذل الطغاة .. فهم يتساقطون أمامه .. لا شيء يصمد في وجهه .. لم يترك فرصة لأحد كى ينال من رسول الله - ﷺ - .. ولم يترك فرصة لأحد لينال منه .. حتى ذلك البعيد عنه .. الذي لم يشترك في القتال .. ولم يحمل سيفًا للدفاع حتى عن نفسه .. ذلك الأسمر الذي يراقب حمزة وحربته بيده لم يجد -حتى الآن- فرصة للإجهاز عليه .. وهو لا يجسر على اقتحام أهوال حمزة وجحيمه .. إنه يقول: إنني (انظر حمزة وأتبصّره حتى رأيته في عرض الناس كأنه الجمل الأورق يهدّ الناس بسيفه هدًّا .. ما يقوم له شيء) (٢)، وما يجرؤ أحد من قريش على التصدّي لهذا الحتف الذي يصرخ: أنا أسد الله.
لقد فرّق حمزة والأسود معه جمع قريش ومزّقوهم .. إنهم يهربون ينهزمون خلف الصخور ووراء الجبال .. ها هو الزبير يلاحق فلولهم
_________________
(١) سنده صحيح رواه: البيهقي، حدثنا أبو عبد الله، حدثنا أبو بكر محمَّد بن أحمد بن بالويه، حدثنا محمَّد بن شاذان الجوهري، حدثنا معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق الفزاري، عن ابن عون، عن عمير بن إسحاق، عن سعد: أبو عبد الله هو الحاكم، وشيخه محمَّد بن بالويه هو أبو علي كما جاء في ترجمته في تاريخ بغداد (١/ ٢٨٢) والصواب أبو بكر: وقد أورد الحافظ البغدادي عن الحاكم تاريخ وفاته وقال فيه البرقاني: ثقة، وشيخه ثقة من رجال التقريب (٢/ ١٦٩) وشيخه معاوية بن عمرو بن المهلب .. ثقة من شيوخ البخاري -التهذيب (١٠/ ٢١٥) والتقريب (٢/ ٢٦٠) وإبراهيم بن محمَّد الفزاري ثقة حافظ من رجال الشيخين- التقريب (١/ ٤١) وعمير بن إسحاق تابعي قال الحافظ: مقبول .. والصواب أنه: ثقة لأن قول ابن معين: ليس شيء يعني أنه قليل الحديث .. ثم إن ابن معين قال عنه: ثقة. انظر: (قواعد في علوم الجرح للتهانوي - ٢٦٣) وقال النسائي: ليس به بأس- ولم يورده العقيلي إلا أنه لم يرو عنه إلا واحد.
(٢) سنده صحيح رواه ابن إسحاق (ابن كثير-٣/ ٣٥) وقد مر معنا عند الكلام على وحشي.
[ ٢ / ٢١٠ ]
المنهزمة .. المهرولة من هنا وهناك .. ويقول: (والله لقد رأيتني انظر إلى خدم (١) هند بنت عتبة وصواحباتها مشمّرات هوارب، ما دون أخذهن قليل ولا كثير) (٢)، ورأى منظر الهزيمة شاب صغير هو البراء بن عازب الذي يقول: (فأنا والله رأيت النساء يشددن قد بدت خلاخلهنّ وأسوقهن رافعات ثيابهن) (٣)، ويقول ﵁ عن هزيمه المشركين: (فهزموهم، فأنا والله رأيت النساء يشتددن على الخيل، قد بدت خلاخيلهن وأسوقهن رافعات ثيابهن) (٤).
الساحة الآن للرسول - ﷺ - وأصحابه .. هرب الوثنيون تاركين نساءهم في متناول الزبير وأصحابه .. أما نساء المسلمين فكنّ كرجالهم يمارسن التمريض والإسعاف بالماء والدواء .. يقول أنس بن مالك:
(لقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمّرتان أرى خدم سوقهما تُنْقِزان القرب على متونهما، فتفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنها، ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم) (٥)، وعائشة ﵂ وهي في أوج نشاطها وحماسها .. تصف ما حدث بعبارة مختصرة، فتقول:
(هزم المشركون يوم أُحد هزيمة بيّنة تعرف فيهم) (٦).
_________________
(١) الخدم: هي الخلاخيل.
(٢) سنده صحيح: رواه إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد، عن عبد الله بن الزبير عن أبيه .. وشيخ ابن إسحاق ثقة -التقريب (٢/ ٣٥١) ووالده تابعي ثقة- التقريب (١/ ٣٩٢).
(٣) حديث صحيح رواه البخاري (٤٠٤٣).
(٤) حديث صحيح رواه البخاري (٤٠٤٣) والبيهقيُّ (٣/ ٢٢٩) واللفظ له.
(٥) حديث صحيح رواه البخاري (٤٠٦٣).
(٦) حديث صحيح رواه البخاري (٦٦٦٨) والبيهقيُّ (٣/ ٢٣٠) واللفظ له.
[ ٢ / ٢١١ ]
وروى أحد الصحابة ما حدث لحملة الراية من المشركين شيئًا مذهلًا .. لقد استبدلتهم سيوف حمزة ورفاقه سبع مرات أو أكثر .. يقول ﵁: (وقد كان لرسول الله - ﷺ - أوّل النهار، حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة) (١)، يتساقطون كجدران الطين القديمة وقد داهمتها الرياح والأمطار .. وخلت الساحة من ثأر المشركين ومكرهم ..
خلت الساحة إلَّا من ركضهم بحثًا عن بقايا حياة بعد أن مات ثأرهم .. وسافر بعضهم إلى الجحيم .. كانت الساحة مليئة بجثث الطواغيت المنتنة .. المتناثرة في كل مكان .. وكان عدد الجثث حتى الآن قريبًا من السبعين جثة .. أحد هذه الجثث كان حيًا مصابًا يتظاهر بالموت خشية أن يجهز عليه أحد فرسان محمَّد - ﷺ - .. لقد سقط هو وحلمه الذي حمله معه من مكة .. فقد خرج ليقتل رسول الله - ﷺ - لكن رفاق حمزة أسقطوهما معًا .. هذا الرجل يدعى (وهب بن عمير) ومازال لديه أمل بالحياة .. يقول أنس بن مالك: (كان وهب بن عمير شهد أُحدًا كافرًا، فأصابته جراحة، فكان في القتلى، فمرّ به رجل من الأنصار فعرفه فوضع
_________________
(١) ظاهر سنده الضعف لكنه صحيح رواه الإمام أحمد (١/ ٨٧ - ٢/ ٢٨٨): حدثنا سليمان ابن داود أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، وعبيد الله تابعي ثقة فقيه -أحد الفقهاء السبعة (التقريب- ١/ ٥٣٥)، وأبو الزناد تابعي ثقة (التقريب-١/ ٤١٣) وأما ابنه فمن أجله قلت ما قلت .. فهو ثقة لكنه تغير عندما قدم بغداد، فالنقاد يضعفون ما رواه في بغداد، وسليمان ابن داود بن داود بن علي بن عبد الله بن عباس -وهو ثقة فقيه جليل- ممّن سكن بغداد، لكن الناقد المعروف علي بن المديني ﵀ قال -مستثنيًا رواية هذه الثقة عن شيخه عبد الرحمن: (ما روى سليمان الهاشمي عنه فهي حسان، نظرت فيها فإذا هي مقاربة، وجعل علي يستحسنها) ذكر ذلك الإمام الترمذيُّ في علله: (٢/ ٦٠٦).
[ ٢ / ٢١٢ ]
سيفه في بطنه حتى خرج من ظهره ثم تركه) (١)، ماذا حدث لوهب بعد ذلك هل مات .. أم مازال حيًا؟ سنعرف الإجابة بعد نهاية المعركة التي انتهت حتى الآن إلى هزيمة كالجحيم .. سقط فيها أكثر من ستين مشركًا .. أما الأسرى فقد بلغ عددهم سبعين أسيرًا .. إن الساحة الآن تذكر بانتصار بدر .. سبعون للأسر وسبعون للقبر .. ومحمَّد - ﷺ - يكحل ناظريه. بمشهد يسرّ النفس ويشرح الصدر.
لكن هذا المهرجان لم يدم طويلًا .. لقد كانت الساحة جميلة .. مكتنزة بالغنائم والانتصار .. كأن كل شيء قد انتهى .. المشركون انتهوا .. والمؤمنون انتهوا إلى القمة ..
لكن بعض الصحابة الذين كانوا على القمة ارتكبوا كارثة .. لقد حوّلوا تلك القمة إلى قاع دموي .. خاض فيه المشركون وشربوا وانتشوا ..