كان أمية وعبد الرحمن صديقين في الجاهلية .. وكان بينهما تعامل تجاري بعد الإِسلام .. بل وبعد الهجرة .. هذه العلاقة تخللتها قصة مثيرة .. بدأت في مكة قبل الإِسلام فمتى ستنتهي ..؟ يحدثنا عن بدايتها وعن نهايتها عبد الرحمن بن عوف فيقول:
(كان أمية بن خلف لي صديقًا بمكة، وكان اسمي عبد عمرو، فتسميت حين أسلمت: عبد الرحمن، فكان يلقاني ونحن بمكة فيقول: يا عبد عمرو أرغبت عن اسم سماك أبوك؟ فأقول: نعم هداني الله للإسلام فتسميت عبد الرحمن. قال: إني لا أعرف الرحمن) (١) .. ومضت الأيام والأحداث بالاثنين .. بقي أمية في مكة على شركه وأصنامه .. وهاجر عبد الرحمن بن عوف إلى المدينة .. ومارس التجارة بعد أن دلوه على سوق المدينة فصار أحد تجارها .. ويمضي ابن عوف ﵁ متحدثًا عن قصته مع أمية وهو في المدينة فيقول:
_________________
(١) حسن. رواه ابن إسحاق ومن طريقه البيهقي (٣/ ٩١): حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه وحدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قالا: كان عبد الرحمن بن عوف يقول: وفي الطريق الثانية انقطاع بين صالح وجده لكن عباد بن عبد الله بن الزبير تابعي كبير والحديث بعد هذا حسن بما بعده وحديث صالح موصول عند البخاري وهو ما بعده.
[ ٢ / ١٠٤ ]
(كاتبت أمية بن خلف كتابًا: بأن يحفظني في صاغيتي بمكة وأحفظه في صاغيته بالمدينة) (١) .. (كان بيني وبين أمية بن خلف كتابٌ بأن يحفظني في ضياعي بمكة، وأحفظه في ضياعه بالمدينة، فلما ذكرت: الرحمن، قال: لا أعرف الرحمن، كاتبني باسمك الذي كان في الجاهلية، فكاتبته: عبد عمرو .. فلما كان يوم بدر) (٢) (مررت به وهو واقف مع ابنه علي وهو آخذ بيده، ومعي أدراع لي قد استلبتها فأنا أحملها، فلما رآني قال:
عبد عمرو .. فلم أجبه، فقال: يا عبد الإله، فقلت: نعم، قال: هل لك في، فأنا خيرٌ لك من هذه الأدراع التي معك؟ قلت: نعم، ها الله.
فطرحت الأدراع من يدي وأخذت بيده وبيد ابنه وهو يقول: ما رأيت كاليوم قط، أما لكم حاجة في اللبن، ثم خرجت أمشي بينهما) (٣) (خرجت به إلى شعب لأحرزه حتى يأمن الناس) (٤).
وتوجه الثلاثة إلى ذلك الشعب، ثم توجهوا (إلى جبل) (٥) .. فارتاحت نفس أمية بن خلف .. يا لها من أيام عصيبة تلك التي كانت تحمل في دقائقها الموت والحياة معًا لأمية .. اطمأن أمية فتحدث عن اللبن الذي سيشربه ابن عوف وأصحابه من نياق أمية التي سيفتدي
_________________
(١) حديث صحيح. رواه البخاري (٢٣٠١) والصاغية: الحاشية والأتباع.
(٢) حديث صحيح. رواه البخاري والبيهقيُّ واللفظ له (٣/ ٩٠).
(٣) حسن. رواه ابن إسحاق ومن طريقه البيهقي (٣/ ٩١): حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله ابن الزبير عن أبيه وحدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قالا: كان عبد الرحمن بن عوف يقول: وفي الطريق الثانية انقطاع بين صالح وجده لكن عباد بن عبد الله ابن الزبير تابعي كبير والحديث بعد هذا حسن بما بعده وحديث صالح موصول عند البخاري وهو ما بعده.
(٤) حديث صحيح. رواه البخاري والبيهقيُّ واللفظ له (٣/ ٩٠).
(٥) جزء من حديث البخاري (٢٣٠١).
[ ٢ / ١٠٥ ]
نفسه وابنه بها .. واسترخت أعصابه فاسترسل في الحديث وقال لعبد الرحمن بن عوف وهو يمشي (بينه وبن ابنه آخذًا بأيديهما: يا عبد الإله: من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة في صدره؟ قلت: حمزة. قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل) (١).
وواصلوا المشي والمسير .. وفجأة دوت صرخة مرعبة من بعيد اتسعت لها عيون أمية وابنه .. صرخة قلبت أرض بدرٍ على رأس أمية من جديد .. صرخة من أعماق مضطهد لا تزال جراحه تلتهب .. يقول عبد الرحمن بن عوف:
(فوالله إني لأقودهما إذ رآه بلال معي -وكان هو الذي يعذب بلالًا بمكة على الإِسلام- فلما رآه قال:
رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا، قلت: أي بلال، أسيري.
قال: لا نجوت إن نجا، ثم صرخ بأعلى صوته:
يا أنصار الله رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا) (٢).
_________________
(١) سنده صحيح. رواه ابن إسحاق (ابن كثير ٢/ ٤٣٩) حدثني عبد الواحد بن أبي عون عن سعد بن إبراهيم عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف .. وهذا السند صحيح فإبراهيم بن سعد له رؤية وابنه تابعي ثقة فاضل عابد (التقريب ١/ ٣٨، ١/ ٢٨٦) وشيخ ابن إسحاق ثقة وليس كما توحي ترجمته في التهذيب فجرح ابن حبان لا يضره.
(٢) سنده صحيح. رواه ابن إسحاق (ابن كثير ٢/ ٤٣٩) حدثني عبد الواحد بن أبى عون عن سعد بن إبراهيم عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف .. وهذا السند صحيح فإبراهيم بن سعد له رؤية وابنه تابعي ثقة فاضل عابد (التقريب ١/ ٣٨، ١/ ٢٨٦) =
[ ٢ / ١٠٦ ]
(فخرج حتى وقف على مجلس من الأنصار، فقال: أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا أمية بن خلف، فخرج معه فريق من الأنصار في آثارنا فلما خشيت أن يلحقونا خلفت لهم ابنه لأشغلهم، فقتلوه، ثم أتوا حتى تبعونا، وكان رجلًا ثقيلًا فلما أدركونا قلت له: أبرك، فبرك، فألقيت عليه نفسي لأمنعه فتخللوه بالسيوف من تحتي) (١) (فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل المسكة (٢)، فأنا أذب عنه، فأخلف رجل بالسيف فضرب رجل ابنه فوقع، وصاح أمية صيحة ما سمعت بمثلها قط، قلت:
انج بنفسك ولا نجاء، فوالله ما أغني عنك شيئًا، فهبروهما بأسيافهما حتى فرغوا منهما) (٣) ..
(قتلوه وأصاب أحدهم رجلي بسيفه) (٤) ..
يتذكر عبد الرحمن ﵁ ذلك مبتسمًا ويقول: (يرحم الله بلالًا فجعني بأدراعي وبأسيري) (٥).
وانتهت قصة أمية الطويلة كما تنتهي قصص كثير من أمثاله الذين قضوا حياتهم في التعذيب والتنكيل. بمن يقع بين أيديهم من المؤمنين والضعفاء والمساكين ..
_________________
(١) = وشيخ ابن إسحاق ثقة وليس كما توحي ترجمته في التهذيب فجرح ابن حبان لا يضره.
(٢) حديث صحيح. رواه البخاري (٢٣٠١).
(٣) ربما كان يعني البئر الصلبة التي لا تحتاج إلى طي.
(٤) حديث صحيح. جزء من حديث ابن إسحاق السابق.
(٥) حديث صحيح. جزء من حديث ابن إسحاق السابق.
(٦) حديث صحيح. جزء من حديث ابن إسحاق السابق.
[ ٢ / ١٠٧ ]
انتهت حياته على يد من كان يتفنن في تعذيبه وكان يسلقه تحت شمس مكة المحرقة .. لقد (اشترى أبو بكر بلالًا وهو مدفون بالحجارة) (١).
دفنه أمية .. فهل سيدفن أمية بالحجارة ..
لم تنته المعركة بعد .. والساحة حبلى بالمشاهد المثيرة .. المثيرة .. فهذا سعد بن أبي وقاص وقد سقط أخوه الصغير عمير شهيدًا يقاتل بضراوة وكأنه يقاتل عن اثنين .. كأنه يقاتل عن أخيه الصغير .. يشاهده عبد الله ابن مسعود فيتعجب من شجاعته ..
ويقول: (كان سعد يقاتل مع رسول الله - ﷺ - يوم بدر قتال الفارس والراجل) (٢) .. وفي مكان آخر كان الزبير بن العوام فارسًا يقتحم قلعة من الحديد فتتهاوى بين يديه .. يقول ﵁: (لقيت يوم بدر عبيد بن سعيد بن العاص وهو مدجج لا يرى منه إلا عيناه، وهو يكنى أبا ذات الكرش، فقال: أنا أبو ذات الكرش فحملت عليه بالعترة فطعنته في عينه فمات) (٣).
وسقط مع من سقط من الكفار الذين ملأت جثثهم أرض بدر .. ورأى المشركون ما يحدث لقادتهم وأبطالهم .. فجمعوا شظايا عزم
_________________
(١) حديث صحيح مر معنا في المجلد الأول.
(٢) سنده قوي. رواه البزار (٢/ ٣١٥) حدثنا محمَّد بن المثنى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش عن إبراهيم عن عبد الله بن مسعود .. وهذا السند صحيح لولا الانقطاع بين إبراهيم وابن مسعود .. لكن البزار روى الحديث متصلًا. حدثنا إبراهيم بن يوسف الكوفي حدثنا أبو معاوية .. به لكنه جعل علقمة بين إبراهيم وابن مسعود وحسب درجة إبراهيم الكوفي في التقريب فإنه صدوق له لين لكن الصواب أنه: ثقة فجرح النسائي غير مفسر انظر التهذيب (١/ ١٨٥).
(٣) حديث صحيح. رواه البخاري (٣٩٩٨).
[ ٢ / ١٠٨ ]
لديهم .. فشدوا على المسلمين في محاولة يائسة .. محاولة كالانتحار .. وهي في حركتها تشبه كتلة من اللهب تهوي على الأرض فتنطفئ لكنها تؤذي من يتصدى لها .. ومع ذلك كان أشجع الناس يتقدم كالموج يطفئها .. كالموت يخمدها .. وخلفه كان سعد الذي يقاتل كرجلين .. والزبير الذي يهزم الحديد .. وعلي بن أبي طالب بشجاعته المعروفة .. وعمه حمزة الذي فعل بهم الأفاعيل .. وعمر بن الخطاب الذي تهابه كل قريش .. وأبو بكر الصديق درع رسول الله - ﷺ - هؤلاء الذين صنعوا الأحداث والتاريخ .. هؤلاء وغيرهم قاتلوا في ساعة من ساعات بدر خلف ذلك الشجاع فمن هو: