فالغنائم بالنسبة للذين حضروا بدرًا لا تعني رصيدًا ماديًا أبدًا .. إنها أكبر من ذلك .. والصحابة مهاجرون وأنصار أكبر من هذا التفكير فالمهاجرون تركوا أموالهم لله .. والأنصار شاطروا إخوانهم وأموالهم
_________________
(١) سنده صحيح. رواه الإمام أحمد (٤/ ١٣١) عن شيخيه قالا: حدثنا إسماعيل بن عياش عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن المقدام ﵁ وهذا السند صحيح لرواية إسماعيل الحمصي عن شيخه بحير وهو حمصي ثقة ثبت .. التقريب (١/ ١٣) وخالد بن معدان تابعي وثقة عابد من رجال الشيخين (١/ ٢١٨ التقريب).
(٢) قال أبو طلحة: إن رسول الله - ﷺ -: (كان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال) وهو حديث صحيح رواه البخاري وسيمر معنا.
[ ٢ / ١٢١ ]
ودورهم .. لكنها غنائم أول معركة مع رسول الله - ﷺ - .. وأول معركة ضد كفار قريش الذين أخرجوا رسول الله - ﷺ - .. وأول معركة في الإِسلام .. والمشاركة فيها والحصول على شيء من غنائمها له في النفوس أثر ينام ويصحو مع الإنسان ويظلله في كل مكان يسير ويخطو عليه .. أثر يتطهر معه أهل بدر من كل ذنوبهم .. لست أبالغ فرسول الله - ﷺ - يقول:
(لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة) (١) ثم إن الصحابة بشر .. يصيبون ويخطئون فيقوم - ﷺ - بتصحيح أخطائهم .. لتصحح الأمة أخطاءها وتأخذ أحكامها من هذه الأحداث .. وليس هناك أخصب من المعارك للانفعال والتأثر والخطأ .. فماذا حدث من الصحابة وما رأي بعضهم حول الغنائم؟
يقول أحد الصحابة ﵁ وعنهم: (إن النبي - ﷺ - قال من أتى مكان كذا وكذا، فله كذا وكذا، أو فعل كذا وكذا فله كذا وكذا، فتسارع إليه الشبان، وبقي الشيوخ عند الرايات، فلما فتح الله عليهم جاءوا يطلبون ما جعل لهم النبي - ﷺ -، فقال لهم الأشياخ: لا تذهبوا به دوننا، فأنزل الله عليه هذه الآية: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (٢) والآية التي نزلت هي قوله سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ
_________________
(١) حديث صحيح. رواه البخاري (٣٩٨٣).
(٢) سنده صحيح. رواه ابن جرير (٦/ ١٧١ - ١٧٢) من طرق عدة عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس، وداود تابعي صغير وثقة متقن من رجال مسلم (التقريب ١/ ٢٣٥) وشيخه عكرمة مولى ابن عباس، وتلميذه تابعي عالم وثقة ثبت من رجال البخاري ومسلمٌ وقد مر معنا (التقريب ١/ ٣٠).
[ ٢ / ١٢٢ ]
مُؤْمِنِينَ﴾ (١) ولكي تتضح الرؤية جيدًا دعونا نمشي خلف هذا الشاب الذي يحمل بيديه سيفين .. سيفه وسيف رجل من المشركين .. إنه يتوجه نحو رسول الله - ﷺ - .. يستأذنه ويرجوه أن يمنحه هذا السيف (فأتى به رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله نفلنيه .. فقال: ضعه .. ثم قام فقال: يا رسول الله: نفلنيه .. فقال - ﷺ -: ضعه .. ثم قام فقال: يا رسول الله نفلنيه .. أُجعل كمن لا غَنَاء له؟ فقال النبي - ﷺ -: ضعه من حيث أخذته) (٢) هذا الشاب هو سعد بن أبي وقاص حيث يقول: (جئت إلى النبي - ﷺ - يوم بدر بسيف فقلت: يا رسول الله .. إن الله قد شفى صدري اليوم من العدو فهب لي هذا السيف .. فقال - ﷺ -: إن هذا السيف ليس لي ولا لك، فذهبت وأنا أقول: يعطاه اليوم من لم يبل بلائي، فبينا أنا إذ جاءني الرسول فقال: أجب .. فظننت أنه قد نزل في شيءٍ من كلامي، فجئت، فقال لي النبي - ﷺ -: إنك سألتني هذا السيف وليس هو لي ولا لك، وإن الله قد جعله لي، فهو لك ثم قرأ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾) (٣) .. إذًا كان السيف ليس لرسول الله - ﷺ - ولا لسعد بن أبي وقاص وكذلك الغنائم .. فلمن كانت الغنائم في الحروب التي خاضها الأنبياء من قبل ..؟ لقد كانت الغنائم تحرق ..
_________________
(١) سورة الأنفال: الآية ١.
(٢) سنده قوي. رواه جرير (١/ ١٧٣) والبيهقيُّ في السنن (٦/ ١٩١) والحاكم (٢/ ١٣٢) من طرق عن: سماك بن حرب، سمعت مصعب بن سعد بْنِ أبي وقاص عن أبيه وسماك صدوق من رجال مسلم (التقريب ٣٣٢) وروايته قوية إلا عن عكرمة، وهذه ليست منها، وهو تابعي وسمع من تابعي هو مصعب بن سعد وهو ثقة من رجال الشيخين (التقريب ٢/ ٢٥١).
(٣) حديث صحيح. رواه مسلم والبيهقيُّ واللفظ له (٦/ ٢٩١ من السنن).
[ ٢ / ١٢٣ ]