ثلاثة من بني عبد المطلب كأن وجوههم السيوف .. ثلاثة أقبلوا كأنهم الموت .. فكان عتبة الضحية لحمزة هذا اليوم وهوت حكمته وشجاعته وشركه وعناده على أرض بدر .. وهوى أخوه شيبة جثة هامدة تحت قدمي علي ﵁ .. لم يستغرقا وقتًا طويلًا أمام هذين الفارسين من بني عبد المطلب .. لكن ماذا حدث لعبيدة بن الحارث ﵁ .. عليٌّ يقص علينا ما حدث فيقول:
(أقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلت إلى شيبة، واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان، فأثخن كل واحدٍ منهما صاحبه، ثم ملنا على الوليد فقتلناه، واحتملنا عبيدة) (٤).
ابتهج - ﷺ - بفرسانه وفرح بانتصارهم .. وتحمس المؤمنون جميعًا لعناق الموت .. فرائحة الشهادة تعطر أجواء بدر .. وتأجج حماسهم عندما ازدادت زخات المدد من السماء فبشر بها رسول الله - ﷺ - أصحابه .. وقال
_________________
(١) جزء من حديث أحمد الصحيح وقد مر معنا (سيرة ابن كثير ٢/ ٤٢٢).
(٢) جزء من حديث ابن إسحاق حسن بحديث أحمد السابق وحديث ابن إسحاق ضعيف إلا ما كان له شاهد.
(٣) جزء من حديث أحمد الصحيح وقد مر معنا (سيرة ابن كثير ٢/ ٤٢٢).
(٤) حديث صحيح. صحيح أبي داود (٢٦٦٥).
[ ٢ / ٩٨ ]
الله في ذلك: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ (١) وكانوا خير مدد .. وكانوا خير الملائكة ..
هذا كبيرهم: جبريل ﵊ يصفهم بنفسه .. فقد (سأل جبريل النبي - ﷺ -: كيف أهل بدر فيكم؟ قال - ﷺ -: خيارنا. قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة هم خيار الملائكة) (٢).
أما كبار الملائكة ..: ميكائيل وإسرافيل .. فقد كان في نزولهم تكريمًا لأبي بكر الصديق ولعلي بن أبي طالب ﵃ فلقد (قيل لأبي بكر الصديق وعلي يوم بدر: مع أحدكما جبريل، ومع الآخر ميكائيل، وإسرافيل ملك عظيم، يشهد القتال، أو يقف في الصف [ولا يقاتل] (٣).
شاهد - ﷺ - ذلك وأيقن بالنصر فقد استجاب الله له، فصاح بأصحابه:
(قوموا إلى جنة عرضها السموات الأرض) (٤).
سمع أحد الصحابة -وهو الذي كان يحمل تمرًا في جيبه ربما عند خروجه من المدينة- سمع ذكر الجنة فطار قلبه وتوجه نحو رسول الله - ﷺ - كالفرح .. وقف أمامه وقال: (يا رسول الله .. جنة عرضها السموات والأرض؟ قال - ﷺ -: نعم، قال: بخٍ .. بخٍ ..
_________________
(١) سورة آل عمران: الآية ١٢٤.
(٢) حديث صحيح. رواه البخاري (٣٩٩٣) والبيهقيُّ (٣/ ١٥١) واللفظ له.
(٣) سنده صحيح. رواه ابن أبي شيبة واللفظ له عدا ما بين المعقوفين (٧/ ٣٥٣) والبيهقيُّ (٣/ ٥٥) وأحمدُ والبزار (الزوائد ٢/ ٣١٤) من طرق عن مسعر بن كدام الهلالي وهو ثقة ثبت فاضل (التقريب ٢/ ١٨٧) عن شيخه أبي عون الثقفي وهو ثقة من رجال الشيخين (التقريب (٢/ ١٨٧) عن شيخه التابعي الثقة أبي صالح عبد الرحمن بن قيس الحنفي (التقريب ١/ ٤٩٥).
(٤) حديث صحيح. رواه مسلم وأحمد (سيرة ابن كثير ٢/ ٤٢١).
[ ٢ / ٩٩ ]
فقال رسول الله - ﷺ -: ما يحملك على قول بخٍ. .. بخٍ؟
قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال - ﷺ -: فإنك من أهلها، فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن) (١).
ما هذا الرجل ومن هو .. يبشره - ﷺ - بالجنة فيأكل تمرًا .. سنعرف بعد قليل .. فلنعد إلى رسول الله - ﷺ - حيث لا تمر في كفيه .. لكن كفه كانت مليئة بشيء غير التمر .. شيء لا يؤكل.
فما هو هذا الشيء وماذا يريد أن يفعل به؟.
لقد (أمر رسول الله - ﷺ - فأخذ كفًا من الحصى بيده، ثم خرج فاستقبل القوم، فقال: