سؤال بحجم المعركة .. والاجابة بحجم محمَّد - ﷺ - .. ليس هناك أزمة ثقة بحذيفة .. بل إن حذيفة فوق الشبهات .. كيف لا وقد سلمه الرسول - ﷺ - يومًا قائمة سرية بالأسماء والأحداث التي سيفصح عنها التاريخ ..؟ سلمها - ﷺ - لأمانة حذيفة وأعماقه ..
الأمر هنا لا يتعلق بالثقة .. الأمر يتعلق بالرسول - ﷺ - وبالقادة الإسلاميين والدعاة من بعده ..
_________________
(١) = إسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي : وهذا السند حسن شيخ أبي يعلى ثقة (التقريب ١/ ٥١) وشيخه حسن الحديث إذا لم يخالف وهو من رجال الشيخين (التهذيب ٢/ ٢٤٥) ويوسف هو حفيد أبي إسحاق وهو ثقة من رجال الشيخين (التقريب ٢/ ٣٧٩) وبقية السند صحيح وقد مر معنا. وللحديث شاهد وهو ما بعده.
(٢) حديث صحيح مر معنا.
[ ٢ / ٨٨ ]
حذيفة مر من هناك .. هناك حيث صادفه المشركون هو ووالده حسيل .. سألنا حذيفة عن أمر يستطيع إخبارنا به .. إنه ليس سرًا .. ما الذي منعك يا حذيفة من المشاركة في غزوة بدر .. فيجيب حذيفة ﵁ قائلًا:
(ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أنني خرجت أنا وأبي حسيل، فأخذنا كفار قريش، فقالوا: إنكم تريدون محمدًا، فقلنا: ما نريد إلا المدينة، فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرف إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله - ﷺ - فأخبرناه الخبر، فقال:
انصرفا .. نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم) (١) إنها إجابة بحجم محمَّد - ﷺ - .. والتزام أعيى من يهتبلون ثمارًا ناضجة وغير ناضجة .. أعيى زعماء ودعاة ذوي نظرة آنية لا يرون إلا ما في رؤوسهم .. (نفي لهم بعهدهم) (٢) وهم المشركون الذين يعبدون الأصنام ويحاربون الله ورسوله وقد خرجوا لطمس التوحيد وسفك دماء الموحدين .. خرجوا لذبح نبي الإِسلام وتدمير دولته ومع ذلك (نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم) (٣) .. وإذا كان هذا هو حجم الاحترام للعلاقة - العهد مع الأعداء .. فكم هو حجمه بين المسلم وأخيه .. سؤال عرف الإجابة عليه حذيفة ووالده فانصرفا ..
_________________
(١) إسناده حسن .. رواه ابن أبي شيبة (٧/ ٣٦٣): حدثنا أبو أسامة، عن الوليد بن جميع، حدثنا أبو الطفيل، حدثنا حذيفة بن اليمان وهذا الإسناد حسن من أجل الوليد بن جميع وهو تابعي حسن الحديث ومن رجال مسلم (التقريب ٢/ ٣٣٣) وتلميذه هنا هو الثقة المثبت شيخ ابن أبي شيبة: حماد بن أسامة (التهذيب ٣/ ٢) وعامر بن واثلة صحابيّ صغير ﵁ وهو آخر من مات من الصحابة.
(٢) حديث صحيح وهو الحديث السابق.
(٣) حديث صحيح وهو الحديث السابق.
[ ٢ / ٨٩ ]
ودع النبي - ﷺ - صاحبيه فانصرفا وهما ثقيلان لا يطيقان ذلك الوداع. تَوَجَّها والحزن إلى المدينة .. وتوجه - ﷺ - إلى صحابته بعد هذا الدرس الذي تغلغل في أعماقهم وسرى في دمائهم .. وعاد - ﷺ - إلى العمل من جديد .. فجعل - ﷺ - لجيشه رايةً ولواءً .. والراية هي علم الجيش .. واللواء أصغر منها و(كانت رايته - ﷺ - سوداء ولواؤه أبيض) (١) .. ورايته (كانت سوداء مربعة من نمرة (٢» (٣).
وتحت هذه الراية نظم - ﷺ - أصحابه صفوفًا أو صفًا .. لأن الله يحب ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (٤) .. متماسك وقوي ولذلك فإن رسول الله - ﷺ - لما رأى خللًا في الصف سارع إلى تقويمه .. يحدثنا أبو أيوب الأنصاري عن ذلك فيقول:
(صففنا يوم بدر فندرت منا نادرة أمام الصف، فنظر رسول الله - ﷺ - إليهم فقال: معي .. معي) (٥) .. وجعل جزءًا منهم خلف الصفوف وفي أماكن مناسبة تمكنهم من مراقبة تحركات الأعداء .. وتقديم المعلومات
_________________
(١) حديثٌ حسنٌ. صحيح ابن ماجة (٢/ ١٣٣).
(٢) بردة من صوف.
(٣) حديث صحيح. صحيح أبى داود (٢/ ٤٩١) عدا قوله: مربعة.
(٤) سورة الصف.
(٥) سنده قوى. رواه أحمد (٥/ ٤٢٠) من طريق موسى بن داود وعبد الله بن المبارك حدثنا .. وأخبرنا ابن لهيعة حدثني يزيد بن أبى حبيب أن أسلم أبا عمران التجيبي حدثه أنه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول: وهذا السند قد خلا من علة اختلاط ابن لهيعة لأن أحد تلميذيه هو ابن المبارك .. وشيخه يزيد بن أبي حبيب المصري ثقة فقيه من رجال الشيخين (التقريب ٢/ ٣٦٣) وقد سمع من التابعي المصري الثقة أسلم بن يزيد التجيبي (التقريب ١/ ٦٤).
[ ٢ / ٩٠ ]
لرسول الله - ﷺ - .. وكان من بين هؤلاء ذلك الغلام الذي يدعى: حارثة بن سراقة وهو أنصاري من بني النجار ..
وقد أدرك - ﷺ - أن هذه القلة المؤمنة تحتاج إلى شعار يعرف بعضهم بعضًا به إذا حمي الوطيس والتحمت السيوف بالأعناق والرؤوس فكان: