قال ﵁: (أدركت أبا جهل يوم بدرٍ صريعًا فقلت: أي عدو الله قد أخزاك الله. قال: وبم أخزاني من رجل قتلتموه ..؟!
ومعي سيف لي، فجعلت أضربه ولا يحيك فيه شيء، ومعه سيف له جيد فضربت يده، فوقع السيف من يده، فأخذته، ثم كشفت المغفر عن رأسه فضربت عنقه، ثم أتيت النبي - ﷺ - فأخبرته، فقال: الله الذي لا إله إلا
_________________
(١) حديث صحيح. رواه البخاري والبيهقيُّ (٣/ ٨٦ - ٨٧).
(٢) حديث صحيح. رواه البخاري والبيهقيُّ (٣/ ٨٦).
(٣) حديث صحيح. رواه البخاري والبيهقيُّ (٣/ ٨٦).
(٤) حديث صحيح. رواه البخاري والبيهقيُّ (٣/ ٨٧).
[ ٢ / ١١٥ ]
هو .. قلت: الله الذي لا إله إلا هو -حتى حلفني ثلاثًا-[قال: انطلق فاستثبت، فانطلقت فأنا أسعى مثل الطائر، ثم جئت وأنا أسعى مثل الطائر أضحك فأخبرته] فقال رسول الله - ﷺ -: فانطلق فأرني. فانطلقت معه فأريته، فلما وقف عليه - ﷺ - قال:
هذا فرعون هذه الأمة) (١) رأسه هنا .. ورجله هناك .. وباقيه في مكان آخر.
أبو جهل الذي جمع الشرك كله .. ورفض الحكمة كلها .. أبو جهل الذي وصف رسول الله - ﷺ - وأصحابه بأنهم مجرد لقمة .. مجرد أكلة جزور .. أبو جهل الذي اتهم عقلاء قومه بالجبن يسقط على أرض بدر دون أن يمس أحدًا من المسلمين بأذى .. دون أن يشفي غليله ولو بضربة واحدة .. أما سيف أبي جهل الثمين فلم تصدر منه سوى ضربة واحدة متجهة نحو صاحبها .. نحو أبي جهل .. هلاك أبي جهل مروع .. والتاريخ يكتب للطغاة بحبر المضطهدين .. لكنهم لا يقرأون .. ولا يفيد من التاريخ سوى العقلاء .. مات أبو جهل بسيفه .. والذين مزقوه شباب صغار .. والذي أجهز عليه أحد الضعفاء الذين أخافهم وأذلهم في شوارع مكة
_________________
(١) سنده قوي. رواه الطبراني (٩/ ٨٣) حدثنا الحسن بن إسحاق التستري حدثنا أبو المعافى محمَّد بن وهب بن أبي كريمة الحراني حدثنا محمَّد بن أبي تملة عن أبي عبد الرحيم عن زيد ابن أبي أنيسة عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن ابن مسعود .. وهذا السند قوي لولا محمَّد بن أبي تملة فلم أجد له من ترجمة. والصواب محمَّد بن سلمة الحراني ابن أخت عبد الرحيم الحراني فهو من تلاميذ خاله ومن شيوخ محمَّد بن وهب بن أبي كريمة الحراني. انظر التهذيب (٩/ ٥٠٦) (٩/ ١٩٣ - ١٩٤) وهؤلاء ثقات كلهم، وعمرو بن ميمون مخضرم ثقة مشهور، التقريب (٢/ ٨٠) أما شيخ الطبراني فهو حافظ جليل. انظر سير أعلام النبلاء (١٤/ ٥٧) وللحديث شواهد كثيرة منها شواهد عند الطبراني (٩/ ٨١ - ٨٢ - ٨٣) وفيها انقطاع بين أبي عبيدة ووالده ومنها حديث سنده قوي عند البزار.
[ ٢ / ١١٦ ]
وأزقتها .. بل وفي بيت الله الحرام .. ترى هل يتذكر ابن مسعود وهو يقضي على أبي جهل ذلك اليوم الذي كان فيه خائفًا وهو في جوار الكعبة الآمنة ينظر إلى حبيبه ويتمزق حرقة لكنه لا يستطيع فعل شيء؟ فـ (بينما رسول الله - ﷺ - يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحابٌ له جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس فقال أبو جهل:
أيكم يقوم إلى سلا جزور (بني فلان) فيأخذه فيضعه على كتِفَي محمَّد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه، فلما سجد النبي - ﷺ - وضعه بين كتفيه، فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل إلى بعض وأنا قائم أنظر، لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله - ﷺ -، والنبي - ﷺ - ساجد ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة، فجأت وهي جويرية، فطرحت عنه ثم أقبلت عليهم تسبهم. فلما قضى النبي - ﷺ - صلاته رفع صوته، ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا .. دعا ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا، ثم قال النبي - ﷺ -: "اللَّهم عليك بقريش .. اللَّهم عليك بقريش .. اللَّهم عليك بقريش .. فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته. ثم قال: اللَّهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط" (١) سقط هؤلاءكلهم .. كلهم إلا عقبة بن أبي معيط؟! فأين هو ..؟ هذا المجرم لا يزال حيًا .. إنه بين الأسرى ولا أدري ماذا سيفعل به رسول الله - ﷺ - لكنه يتعذب الآن بمنظر شركائه في الإجرام وقد بدأوا ينتنون وينتن شركهم .. وقد تحققت دعوة رسول الله - ﷺ - عندما:
_________________
(١) حديث صحيح. رواه مسلم كتاب الجهاد والسير، والبيهقيُّ (٢/ ٢٨٠) واللفظ له .. وما بين القوسين داخل الحديث من صحيح مسلم.
[ ٢ / ١١٧ ]
(استقبل رسول الله - ﷺ - البيت فدعا على نفر من قريش فيهم أبو جهل، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط. قال ابن مسعود:
فأقسم بالله لقد رأيتهم صرعى على بدر، قد غيرتهم الشمس وكان يومًا حارًا) (١) وفي اليوم الحار تنتن الجثث سريعًا .. إذًا فلا بد من دفن تلك الجثث ولو كانت جثث كفار .. فالإِسلام دين صحة ونظافة .. ورسول الله - ﷺ - يقول لأمته: (أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها عليه وإن تكن غير ذلك فشر تضعونه على رقابكم) (٢) لذلك أمر - ﷺ - أن تقذف تلك الجنائز في بئر خبيث كان موجودًا على أرض بدر .. فـ (نبي الله - ﷺ - أمر يوم بدر بأربعة وعشرين من صناديد قريش، فقذفوا في طوى من أطواء بدر خبيث مخبث) (٣) .. يعج برائحة الموت ونتن الشرك .. و(لما أمر رسول الله - ﷺ - بالقتلى أن يطرحوا في القليب، طرحوا فيه إلا ما كان من أمية بن خلف، فإنه انتفخ في درعه فملأها فذهبوا ليخرجوه فتزايل لحمه فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة) (٤) هلك أمية بن خلف .. لم يحفر له قبر كبقية الناس .. تفسخ لحمه فتركوه ودفنوه بالحجارة بعد أن قتله بلال .. يال انتقام الجبار لبلال .. أيتذكر بلال وهو يرى عدوه مدفونًا بالحجارة .. أيتذكر تلك الأيام العصيبة عندما كان أمية
_________________
(١) حديث صحيح. رواه البخاري والبيهقيُّ (٢/ ٣٣٥).
(٢) حديث صحيح. رواه البخاري ومسلمٌ.
(٣) حديث صحيح. رواه البخاري.
(٤) سنده صحيح. رواه ابن إسحاق (سيرة ابن كثير ٢/ ٤٤٩) حدثني يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة قالت: وهذا السند صحيح. يزيد بن رومان تابعي صغير ثقة وهو أحد موالي آل الزبير (التقريب ٢/ ٣٦٤) وشيخه لا يسأل عنه.
[ ٢ / ١١٨ ]
يدفنه بالحجارة في مثل هذه الأيام الحارة .. وتحت هذه الشمس المحرقة؟ لقد كان بلال حتى آخر لحظات الرق مدفونًا بالحجارة ..
يقول أحد الذين أدركوا تلك الأحداث: (اشترى أبو بكر بلالًا وهو مدفون بالحجارة) (١) وها هو أمية: الطاغوت الذي دفن بلالًا .. ها هو يدفن بالحجارة أمام عيني بلال المسكين .. سبحانك ما أعظمك .. إنها دعوة المضطهدين والمظلومين .. وقبل أن يتخلص الرسول - ﷺ - من تلك الجثث تهادى إلى شهداء الإِسلام .. شهداء بدر فكم كان عددهم: