كان بعض الرماة يشاهدون الانتصار والغنائم .. وفي لحظة من لحظات الضعف الإنساني أغرتهم الغنائم فقرّروا النزول .. لقد قال - ﷺ - لهم: (إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن
_________________
(١) سنده: رواه الطبراني (١٧/ ٦٢): حدثنا أحمد بن زهير التستري حدثنا محمَّد بن سهل بن عسكر، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا جعفر بن سليمان عن أبي عمران الجرنيّ لا أعلمه إلا عن أنس. وأبو عمران اسمه عبد الملك بن حبيب وهو تابعي ثقة: التقريب (١/ ٥١٨) وقد صح سماعه من أنس بن مالك: التهذيب (٦/ ٣٨٩) وتلميذه جعفر بن سليمان صدوق من رجال مسلم - التقريب (١/ ١٣١) وعبد الرزاق الصنعاني هو صاحب المصنف المعروف. أما محمَّد بن سهل فهو ثقة من رجال مسلم التقريب (١/ ١٦٧) وشيخ الطبراني هو تاج المحدثين من أحفظ أهل عصره .. انظر البلغة للعلامة حماد الأنصاري (٨٩).
[ ٢ / ٢١٣ ]
رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم. .) (١)، تأخر الأمر عليهم لم يرسل النبي - ﷺ - أحدًا .. فظنّوا أن كل شيء قد تمّ على ما يرام .. حكّموا رأيهم واجتهدوا مع أن كلام رسول الله - ﷺ - لا يزال مدويًا في آذانهم .. فخالفوا أمره وأمر أميرهم عبد الله بن جبير .. وهتفوا ببعضهم (الغنيمة أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنظرون؟ فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله - ﷺ -؟ قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة) (٢) وانحدر الرماة وانحدرت الكارثة معهم .. شاهدهم المشركون المنهزمون .. فلاح لهم بريق الانتصار .. واستجمعوا قواهم من جديد في محاولة للانقضاض ما دام خطر الأسهم المربك والشائك قد زال عن سماء المعركة .. عاد أبو سفيان والمشركون وهم يرون هذا الفراغ في السماء .. والارتباك على الأرض .. الارتباك الذي أحدثه الرماة عندما زاحموا إخوانهم المكلفين بجمع الغنائم .. وكان أمر الغنائم لم تنزل به الآيات .. كان الرماة النازلون من الجبال يحسبون أن من سبق فهو أحق .. حدثت فوضى عارمة داخل الصف المؤمن .. وانفلت الزمام .. وضاع النظام .. لقد تحوّل الجيش إلى شبكة لا يعرف لها أوّل ولا آخر .. تلك الصفوف المنظمة التي تقاتل كبنيان مرصوص .. حولها الرماة -﵃- بمخالفتهم إلى شيء كالفوضى .. وصفه أحد الصحابة أدقّ الوصف .. فقال: (لما غنم النبي - ﷺ - وأناخوا عسكر المشركين، أكبّ الرماة جميعًا فدخلوا في العسكر ينهبون، وقد التقت صفوف أصحاب النبي - ﷺ -، فهم: كذا -شبك أصابع يديه- والتبسوا، فلما أخلّ الرماة تلك الخلّة التي كانوا فيها دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب النبي - ﷺ -
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (٣٠٣٩).
(٢) حديث صحيح رواه البخاري (٣٠٣٩).
[ ٢ / ٢١٤ ]
فضرب بعضهم بعضًا، والتبسوا، وقتل من المسلمين ناس كثير) (١) بسبب واحدٍ فقط .. هو عدم الالتزام بتعليمات القيادة الصادرة منه - ﷺ - .. وقد كلّف هذا الخطأ الكثير والكثير .. فالمعركة الآن ..