هذه هي القصة كما رواها صحابي اسمه: عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة ﵄:
(قُدم بالأسارى حين قدم بهم المدينة، وسودة بنت زمعة زوج النبي - ﷺ - عند آل عفراء في مناحتهم على عوف ومعوذ ابني عفراء -وذلك قبل أن يضرب الحجاب- قالت سودة: فوالله إني لعندهم إذ أُتينا فقيل: هؤلاء الأسارى قد أتي بهم، فرجعت إلى بيتي ورسول الله - ﷺ - فيه، فإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة ويداه مجموعتان إلى عنقه بحبلٍ، فوالله ما ملكت حين رأيت أبا يزيد كذلك أن قلت: أبا يزيد أعطيتم بأيديكم ألا متم كرامًا .. فما انتبهت إلا بقول رسول الله - ﷺ - من البيت: يا سودة أعلى الله ورسوله تحرضين، فقلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما
[ ٢ / ١٣٩ ]
ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه بالحبل أن قلت ما قلت) (١) ..
لقد غمرت سودة أجواءٌ مشحونة بالأحزان والأحداث والمفاجآت .. تتدافع نحوها .. تتهاوى عليها وكأن العالم يتقوض فوق رأسها .. فتنفلت منها تلك الكلمات دون أن تشعر .. موت رقية .. ومناحة عفراء .. وأسير من سادات قريش وكرمائها في حجرتها .. خطيب قريش وحكيمها مجموعة يداه إلى عنقه .. متكوم كالذل في زاوية الحجرة .. منظر يثير الشفقة والرأفة .. وامرأة رقيقة المشاعر زادها الإيمان شفافية تشهد ذلك كله .. لكن رسول الله - ﷺ - لم يعنفها .. لم يكفرها بتلك الحروف الشاردة .. كان - ﷺ - مربيًا.
أشعرها دون أن يخدش مشاعرها .. وأعادها دون أن يجرحها .. سألها سؤالًا .. سأل إيمانًا متجذرًا في كل أعماقها .. فأفاقت واعتذرت لله ولرسوله - ﷺ - .. وأفاقت المدينة كلها على وقع الحوافر والخفاف .. الجمال والخيول والأحمال تملأ شوارع المدينة .. والحقد والغيظ يملأ قلوب اليهود والمنافقين .. فقد استجاب الله لرسوله (حين خرج فقال: اللَّهم إنهم عراة فاكسهم .. اللَّهم إنهم جياع فأشبعهم، ففتح الله لهم يوم بدر، فانقلبوا وما منهم رجل إلا وقد رجع بجمل أو جملين واكتسوا وشبعوا) (٢) فرح وعناق في الشوارع وعلى الأبواب وخلف الأبواب .. ورغم هذا الفرح المتدفق في الشوارع والقلوب كان - ﷺ - مأخوذًا بهموم وهموم .. الدعوة والقيادة
_________________
(١) سنده صحيح. رواه ابن إسحاق ومن طريقه الحاكم (٣/ ٢٢): حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة عن جده .. وشيخ ابن إسحاق ثقة (التقريب ١/ ٤٠٥) ويحيى تابعي ثقة (التقريب ٢/ ٣٥٢) وجده صحابيّ.
(٢) حديثٌ حسنٌ مر معنا وقد حسنه الإمام الألباني في صحيح أبي داود (٢/ ٥٢٥).
[ ٢ / ١٤٠ ]
والأسرى .. وبيته الحزين على رقية .. وعلى زينب البعيدة بين جبال مكة .. يا له من شوق حمله - ﷺ - إلى زوجها وابن خالتها أبي العاص بن الربيع .. إنه الآن بين الأسرى ولا أدري في أي حجرة هو .. لكن شوق النبي - ﷺ - إلى ريحانته زينب يأخذه إلى حيث يقبع أبو العاص ليحدثه في شأن زينب فلا يتركه حتى (أخذ عليه أو وعده أن يخلي سبيل زينب إليه) (١) ولكن هذا لا يعني أن يعفى زوج ابنة رسول الله - ﷺ - من الفداء .. فهو أحد الأسرى ولا فرق بينه وبينهم .. وما طلبه الرسول - ﷺ - منه كان طلبًا شخصيًا لا علاقة له بالحرب .. فزينب هي ابنة خديجة بنت خويلد .. وأبو العاص هو ابن هالة بنت خويلد .. هالة التي كان تحلق برسول الله - ﷺ - في أجواء من الذكريات الحبيبة .. فتثير المغيرة في قلب الشابة عائشة ﵂ .. تحدثنا أم المؤمنين عن غيرتها فتقول:
(استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله - ﷺ -، فعرف استئذان خديجة .. فارتاع .. فقال: اللَّهم هالة! فغرت) (٢) ..
وسوف ينقذ أبو العاص ويفي بوعده .. فهو رجل كريم حسن الخلق وإلا لما زوجه رسول الله - ﷺ - ابنته وريحانته ..
غادر - ﷺ - أبا العاص بن الربيع إلى أصحابه .. وتحدث معهم ذات يوم عن الأسرى .. فجرى الحديث على ذكر أحد شيوخ قريش في الأسر .. فكانت:
_________________
(١) حديثٌ حسنٌ. رواه أبو داود وحسنه الإمام الألباني (٢/ ٥١٢).
(٢) حديث صحيح. رواه البخاري ومسلمٌ (سيرة ابن كثير ٢/ ١٣٤).
[ ٢ / ١٤١ ]