يتجه ﵁ إلى الخمر فيحتسي شيئًا منها علّها تخرجه مما هو فيه .. علّها تسليه حتى تحين ساعة العراك حيث تذوب الخمر ويشتدّ
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (١٣٥١).
[ ٢ / ١٨٨ ]
الأمر .. ويذهل عبد الله عن كل شيء سوى الشهادة .. يقول جابر ﵁: (اصطبح -والله - أبي يوم أحد الخمر ثم غدا فقاتل) (١)، ولم يكن والد جابر هو الوحيد الذي شرب خمرًا ذلك الصباح .. فلقد (صبح أناس غداة أحد الخمر) (٢) .. فهل كانت أحزانهم كأحزان عبد الله الذي يغادر بيته وبناته .. ويترك لابنه جابر من الهموم والمسؤوليات الشيء الكثير .. لكن جابرًا أهلٌ لتحمّلها .. لأن الإِسلام جعل من جابر بن عبد الله إحساسًا مرهفًا .. غيمة تهمي حنانًا وربيعًا على أخواته المسكينات .. يقول جابر ﵁ إن والده (ترك عليه دينًا) (٣) و(ترك تسع بنات كن لي تسع أخوات) (٤) مسؤولية جسيمة لا تنقضي. يقول - ﷺ -: (من عالَ جاريتين حتى يدركا، دخلت أنا وهو الجنّة كهاتين) (٥)، أي كالأصبعين المتجاورين .. هذا إذا عال الرجل فتاتين .. فكيف إذا كان تحت رعايته تسع بنات ..؟
كم يحب الإِسلام البنات ويعتني بهن .. ويطالب بحبهنّ والعناية بهنّ .. هنيئًا لجابر .. وهنيئًا له موقعه بين نظاري المدينة الذين يحرسون ثغورها .. ويسهرون حمايةً لها .. بشَّرهم - ﷺ - وبشَّر غيرهم عندما قال: (عينان لا تصيبهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله) (٦).
_________________
(١) سنده صحيح رواه ابن إسحاق ومن طريقه الحاكم (٣/ ٢٠٢): حدثني وهب بن كيسان عن جابر، ووهب تابعي ثقة سمع من جابر انظر: التهذيب (١١/ ١٦٦).
(٢) حديث صحيح رواه البخاري (٤٦١٨).
(٣) حديث صحيح رواه البخاري (٤٠٥٢).
(٤) حديث صحيح رواه البخاري (٤٠٥٣).
(٥) حديث صحيح: صحيح الجامع (٢/ ١٠٩٢).
(٦) حديث صحيح صحيح الجامع (٢/ ٧٥٦).
[ ٢ / ١٨٩ ]
بقي جابر على ثغور المدينة .. وغادر والده عبد الله بصحبة رفيقه عمرو بن الجموح وأبنائه وأخته فاطمة .. غادروا المدينة صاخبة .. مزدحمة بالعناق والدموع .. ها هو حذيفة بن اليمان ووالده "حسيل" اللذان أرغمهما المشركون على أن يقسما ألا يشاركا رسول الله - ﷺ - في غزوة بدر .. ها هما اليوم على أُهبة الاستعداد والإعداد للفتك بالشرك .. لكن الأمر جاء على غير ما يحبّان .. إن حذيفة يودع والده الآن .. لكن الذي سيبقى هذه المرة هو الوالد والذي سيغادر هو حذيفة ﵄ .. فلقد أمر - ﷺ - حسيلًا بالبقاء لحراسة المدينة، كما أمر شيخًا آخر بالبقاء مع حسيل .. واسم هذا الشيخ: "ثابت بن وقش"، فبقيا كارهن أن تفوتهما الشهادة.
انظروا إلى هذا المنزل العظيم .. ففيه تستعرّ نار الفراق والوجد .. إنه منزل الكريم .. الكريم سعد بن الربيع الذي عرض نصف ماله وإحدى زوجاته على عبد الرحمن بن عوف .. تناثرت الدموع دموع ابنتيه الوحيدتن ودموع زوجته التي بقيت معه .. إن حاله كحال والد جابر .. لقد خرج سعد وخرجنا معه إلى ناحية أخرى .. إنها الناحية التي انزوى فيها صحابيان عن الناس .. ماذا يفعلان؟ إنهما يدعوان .. يبوحان فيبحر الدعاء بهما .. دعونا نبحر معهما إلى جزيرة هذا وجزيرة ذاك .. ولكن قبل ذلك نودّ التعرف إليهما ..