لو رأيته وهو يسير في منزله لأشفقت عليه .. فهو لا يتحرك إلا في مساحة ضيقة من بيته .. كأن الجن والأشباح تنزل في البقية الباقية .. لقد حدد له زاوية من المنزل يتحرك فيها وينتقل وينام .. أما البقية الباقية فلا .. ذلك لأن الإِسلام صنع منه قلبًا وحسًا مرهفًا .. فهو لا يريد أن يمشي فوق رأس رسول الله - ﷺ- .. فقد (انتبه أبو أيوب فقال: نمشي فوق رأس رسول الله -ﷺ-!!
فتنحوا فباتوا في جانب، ثم قال للنبي -ﷺ- يعني في ذلك فقال -ﷺ-: "السفل أرفق بنا" .. فقال أبو أيوب: لا أعلو سقيفة أنت تحتها، فتحول رسول الله -ﷺ- في العلو، وأبو أيوب في السفل) (٢) .. لن تستغرب الدنيا ما قام به أبو أيوب ﵁ فهو وابن سحابة هتون تحوم في سماء الإيثار والكرم .. ابن سحابة اسمها الأنصار .. الأنصار الذين ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٣) .. هذه شهادة الله لهم تتنزل عليهم من فوق العرش تعبر السماوات سماءً سماءً يتغنّى بها الأنصار .. يتغنى بها بنو النجار أخوال رسول الله -ﷺ- وأبو أيوب من الأنصار .. وأبو أيوب من بني النجار ولإن
_________________
(١) حديث صحيح. رواه مسلم والبيهقيُّ (٢/ ٥٠٩)
(٢) حديث صحيح. رواه مسلم والبيهقيُّ (٢/ ٥٠٩).
(٣) سورة الحشر: الآية ٩.
[ ١ / ٣٠٤ ]
كانت (خير دور الأنصار بني النجار) (١) فإن (في كل دور الأنصار خير) (٢) فالله جعل (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار) (٣) .. فـ (لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله) (٤).
الأنصار الآن يتوافدون .. يتتابعون نحو رسول الله -ﷺ- .. يسلِّمون .. يثلجون صدورهم بالقرب من حبيبهم .. كانوا يحملون الولاء والحب وشيئًا من الطعام .. كلٌ حسب ما يجد .. لكن أحد الفقراء المعدمين الذين لا يملكون حتى ثيابهم كان على الباب ينتظر ..
كانت هيئته رثةً تدمى القلب .. وتدمع العن .. ومع ذلك استطاع بعد جهد وعرق أن يحصل على شيء من طعام لا ليأكله .. لا ليتصدق به بل ليهديه.