عندما نفخ صدره أمام أشباهه يومًا ثم نفث سمًا قائلًا: (لئن رأيت محمدًا يصلى عند الكعبة لأطأنَّ على عنقه، فبلغ النبى - ﷺ - فقال: لو فعل .. لأخذته الملائكة) (١).
ثم مشى - ﷺ - إلى بيت الله واثقًا من وعده .. وصلى وركع وسجد .. فعلم أبو جهل فمر برسول الله - ﷺ - فقال: (ألم أنهك عن أن تصلي يا محمَّد؟! لقد علمت ما بها أحد أكثر ناديًا مني. فانتهره النبيﷺ - فقال جبريل: فليدع ناديه، سندع الزبانية، والله لو دعا ناديه، لأخذته زبانية العذاب) (٢).
لكن أبا جهل كان حاقدًا على النبوة .. حاقدًا على صاحبها لأنه ليس من أهل بيته .. لأنها ليست فيهم .. فليحطمها .. وليحطم صاحبها .. أبو جهل كان طافحًا بالحقد .. مشويًا بجمر الحسد .. يكاد يختنق .. كأن محمدًا - ﷺ - وأتباعه داخل صدره القاتم يمنعون عنه الهواء ويحطمون أضلاعه. عقد حاجبيه واسودت الدنيا أمامه (فأتى رسول الله - ﷺ - وهو يصلي ليطأ
_________________
(١) حديث صحيح. رواه البخاري (٤/ ١٨٩٦).
(٢) إسنادُهُ صحيحٌ، رواه البيهقي (٢/ ١٩٢) وأحمدُ والترمذيُّ، من طريق: داود بن أبي هند عن عكرمة، عن ابن عباس، رواه ابن أبي هند القشيرى بالولاة، مصري ثقة متقن بالتقريب (١/ ٢٣٥) وشيخه هو التابعي المعروف مولى ابن عباس وعكرمة.
[ ١ / ٢١٢ ]
على رقبته، فما فجئهم (١) منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه، فقيل له: مالك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار، وهولًا وأجنحة. فقال رسول الله - ﷺ -: "لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا". وأنزل الله ﷿ (٢): ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾ (٣).
فامتثل - ﷺ - وسجد رغم أنف أبي جهل وأنوف من معه ..
لقد كان ما حصل لأبي جهل رادعًا له لو كان له قلب .. لو كان يظن أن محمدًا يكذب .. لكنه كان يشرك بالله عن علم ودراية .. عنادًا وتجبرًا وغرورًا بما لديه من نسب ومال .. ولهذا وأمثاله جزاء رادع .. في يوم لا ينفع المال ولا البنون وفي أمثال هذا نزل الوحي من السماء: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ (٤).