وكان لهذه الأحكام الجديدة أسباب وقصص بعضها طريف وبعضها يتلوى من الجوع .. لكن الصيام لم يتغير .. ما زال هو: ترك الطعام والشراب وممارسة الزوجية .. فما هي هذه القصص:
البراء بن عازب ﵁ يقص علينا إحداها ويحدثنا عن أهل بيت صاموا وصام معهم بيتهم الذي كان خاليًا كبطون أهله .. ذلك البيت الذي لم يكن فيه ما يبل الريق أو يسد الجوع .. إنه باختصار صفة أخرى .. يقول البراء:
(إن أحدهم كان إذا نام قبل أن يتعشى لم يحل له أن يأكل شيئًا .. ولا يشرب ليلته ويومه من الغد حتى تغرب الشمس حتى نزلت: وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود.
ونزلت في أبي قيس بن عمرو، أتى أهله وهو صائم بعد المغرب فقال: هل من شئ؟ فقالت امرأته: ما عندنا شيء ولكن أخرج ألتمس لك
[ ٢ / ٤٥ ]
عشاء، فخرجت ووضع رأسه فنام، فرجعت إليه فوجدته نائمًا، وأيقظته فلم يطعم شيئًا وبات وأصبح صائمًا حتى انتصف النهار، فغشي عليه، وذلك قبل أن تنزل هذه الآية فأنزل الله فيه) (١) .. وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود .. فقط ولم ينزل الله كلمة: (من الفجر) بعد قوله تعالى: ﴿مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ .. في بداية الأمر مما جعل بعض الصحابة يخطئ في معنى الخيط الأبيض والخيط الأسود فكانت هذه القصة الطريفة التي رواها الصحابي سهل بن سعد ﵁ فقال: (أنزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ .. ولم ينزل: (من الفجر)، وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعد: (من الفجر) فعلموا أنما يعني الليل والنهار) (٢).
أما القصة الأخرى فهي تتحدث عن قِصر وقت الفطر وأنه مرهون بأداء صلاة العشاء .. يقول أحد الصحابة ﵃ وهو يتحدث عن قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ .. فكان الناس على عهد النبي -ﷺ- إذا صلوا العتمة (٣) حرم عليهم الطعام والشراب والنساء، وصاموا إلى القابلة، فاختان رجل نفسه فجامع امرأته وقد صلى العشاء ولم يفطر، فأراد الله أن يجعل ذلك يسرًا لمن بقي ورخصة ومنفعة، فقال سبحانه: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ
_________________
(١) حديث صحيح. صححه الإمام الألباني في صحيح النسائي (٢/ ٤٦٧) وهو عند البخاري بلفظ آخر (١٩١٥).
(٢) حديث صحيح. رواه الإمام البخاري (٤٥١١).
(٣) العشاء.
[ ٢ / ٤٦ ]
ْأَنْفُسَكُمْ﴾ .. وكان هذا مما نفع الله به الناس ورخص لهم ويسر) (١) وجعل الأكل والشرب والجماع مباحًا حتى طلوع الفجر .. فيمتنع المسلم من الأكل والشرب و.. حتي يغيب قرص الشمس حيث قال -ﷺ- لأصحابه:
"إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم" (٢).
أما عن الصوم الاختياري في أول الأمر فقد تغير وألغى كما قال سلمة بن الأكوع ﵁: (لما نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ .. كان من أراد منا أن يفطر ويفتدي فعل .. حتى نزلت هذه الآية التي بعدها فنسختها) (٣).
فما هي الآية التي بعدها والتي نسختها وغيرت كل الأحكام السابقة التي مرت معنا؟. هذه الآية هي في قوله سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ
_________________
(١) حديث صحيح. صححه الإمام الألباني في صحيح سنن أبى داود (٢/ ٤٤٠).
(٢) حديث صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير (١/ ١٢٧).
(٣) حديث صحيح. رواه البخاري وأبو داود واللفظ له (صحيح أبى داود ٢/ ٤٤١).
[ ٢ / ٤٧ ]
الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾ (١) ..
هذا هو شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن .. والذي قال فيه -ﷺ: (أنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من شهر رمضان .. وأنزلت التوراة لست مضت من رمضان .. وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة مضت من رمضان .. وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان .. وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان) (٢) ..
شهر الكتب المنزلة التي ضاع بعضها .. وحرف بعضها .. ولم يبق منها سوى القرآن شاهدًا لها .. شَاهدًا على أممها .. التي ضيعتها وحرفتها .. ورغم الصوم .. رغم الجوع والعطش لم يتحول هذا الشهر إلى شهرٍ للخمول .. ولم تتحول المدينة فيه إلى جدران يغط تحتها الصائمون .. ويستندون كالكسل إليها وأعينهم إلى الشمس ينتظرون غروبها .. فالمدينة تعج بالحركة نهارًا .. وبالقيام والتهجد ليلًا .. بيوت المؤمنين في ليالي رمضان تشتعل بنور القرآن .. بالسجود والركوع والدموع .. في تلك الليالي كان هناك أنينًا صادرًا من إحدى الحجرات في بيت من بيوت المدينة .. أنين قادم من الحبشة .. قادم من المعاناة .. وما كادت تستقر به الأقدام بين حرات المدينة حتى كان موعده المحتوم مع المرض والآلام .. فلذة كبد رسول الله -ﷺ- وحشاشة جوفه هي تلك الأنين .. رقية بنت محمَّد -ﷺ- أقعدها المرض وأسهر زوجها عثمان بن
_________________
(١) سورة البقرة: الآيات ١٨٥ - ١٨٧.
(٢) حديث صحيح. صحيح الجامع (١/ ٣١٣).
[ ٢ / ٤٨ ]
عفان .. وآلمه ..