ثلاثة من الشباب ليسوا من اليهود .. انصهروا مع اليهود ليفوزوا معهم بهذا النبي القادم كالصباح .. يحدثنا عنهم رجلٌ من بني قريظة رجل عاش مع أسد وأسيد وثعلبة في حصون يهود بني قريظة .. يحدثنا ويحدث رجلًا جالسًا بقربه اسمه عاصم فيقول له:
(هل تدري ما كان علامة إسلام ثعلبة بن سعنة، وأسيد بن سعنة، وأسد بن عبيد -نفرٌ من بني هذل ليسوا من بني قريظة ولا بني النضير، [كانوا فوق ذاك] نسبهم من بني [هذل] أتوا بني قريظة، كانوا معهم في الجاهلية ثم كانوا سادتهم في الإسلام؟
قال عاصم: قلت: لا. قال: فإن رجلًا من يهود أهل الشام يقال له: ابن الهيبان، قدم علينا قبل الإسلام بـ[سنتين] فحل بين أظهرنا والله
[ ١ / ٢٩١ ]
ما رأينا رجلًا قط لا يصلي الخمس أفضل منه، فأقام عندنا، فكنا إذا قحط المطر قلنا له: يا ابن الهيبان قم فاستسق لنا، فيقول: لا والله حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة، فيقولون: كم؟ فيقول: صاعًا تمرًا، [أو مدين من شعير] عن كل إنسان. فنخرجها، فيخرج بنا إلى ظاهر حرتنا، فيستسقي لنا، فوالله ما يبرح من مجلسه حتى يمر السحاب السراح سائلة، ونسقى به، ففعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاثًا، ثم حضرته الوفاة، فلما عرف أنه ميت قال: يا معشر يهود ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض الجوع والبؤس؟ قلنا: الله أعلم. قال: فإني قدمت إلى هذا البلد لتوكف خروج نبي قد أظل زمانه، هذه البلدة مهاجره، فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه، وقد أظلكم زمانه، فلا يسبقنكم إليه يا معاشر اليهود أحدٌ) (١).
وسبق الأنصار اليهود فأسلموا ودعوا رسول الله -ﷺ- إلى المدينة واستقبلوه استقبالًا كالحلم .. فانهارت آمال عبد الله بن أبي بن سلول بالزعامة .. بعد أن أدرك أهل المدينة أن وحدتهم لن تدوم بزعامته .. ولن تمتد تلك الزعامة في الأعماق والزمان إلا برسالة يخلع الجميع كل ما عليهم ليلبسوها .. فتنحوا عن ابن سلول وامتدت الأيدي والقلوب إلى الله ورسوله ..
وكأني بابن سلول يتمنى لو لم يطل به العمر ليرى هذا الاحتفال .. وموقف ابن سلول هذا موقف قاصر .. فقد كان بإمكانه أن يصبح زعيمًا
_________________
(١) سنده صحيح. رواه ابن إسحاق ومن طريقه البيهقي (٢/ ٨٠) وأبو نعيم في الدلائل (١/ ٨١) واللفظ له عدا ما بين المعقوفين .. حدثني عاصم بن عمرو بن قتادة، عن شيخ من بني قريظة وشيخ ابن إسحاق تابعي ثقة وعالم جليل من رجال الشيخين .. التقريب (١/ ٣٨٤) وشيخه صحابي من بني قريظة.
[ ١ / ٢٩٢ ]
وعظيمًا وخالدًا لو صافح رسول الله -ﷺ- لكنه أبى وتولى .. هذا هو ابن سلول .. فهل هناك من يشاركه هذا الشعور؟.
أجل .. هناك اليهود الذين تركوا أرض الخمر والخمير من أجله .. فهم ينتظرونه منذ سنوات وسنوات .. لكن ما الذي حدث .. كيف ينتظرونه .. فإذا رأوه وتحققوا أنه هو رفضوه وعادوه؟. طفلة بريئة لم تلوثها أحقاد اليهود اسمها صفية بنت حيي بن أخطب تحدثنا عن موقفهم وسبب عداوتهم ..
والدها زعيم من زعماء يهود .. وعمها أيضًا زعيم .. أما هي فكانت أحب أولادهم على الإطلاق .. يهشون للقائها .. يبشون في وجهها ويبتسمون إلا في ذلك اليوم .. ذلك اليوم الذي تذكره صفية جيدًا .. فتقول: (لم يكن من ولد أبي وعمي أحدٌ أحب إليهما مني .. لم ألقهما قط مع ولد لهما أهش إليهما إلا أخذاني دونه.
فلما قدم رسول الله -ﷺ- قباء ونزل قرية بني عمرو بن عوف، غدا إليه أبي وعمى "أبو ياسر بن أخطب" مغلسين، فوالله ما جاءانا إلا مع مغيب الشمس، فجاءانا فاترين كسلانين ساقطين، يمشيان الهوينى (١)، فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما نظر إليَّ واحد منهما، فسمعت عمى أبا ياسر يقول لأبي:
أهو هو؟ قال: نعم .. والله. قال: تعرفه بعينه وصفته؟ فقال: نعم والله. قال: فماذا في نفسك منه؟. قال: عداوته والله ما بقيت) (٢) ولكن
_________________
(١) مشيٌ فيه فتور وضعف.
(٢) في سنده ضعف، رواه ابن إسحاق ومن طريقه أبو نعيم والبيهقيُّ (٢/ ٥٣٣) وفي سنده جهالة شيخ شيخ ابن إسحاق عبد الله بن أبي بكر وقد ورد اسم هذا الشيخ عند أبي نعيم =
[ ١ / ٢٩٣ ]
لماذا هذه العداوة .. لماذا هذا الفتور والإحباط؟ .. إنها العنصرية. فهذا الرجلان يمثلان خطًا يسلكه معظم اليهود .. اليهود المغضوب عليهم .. وقد غضب الله عليهم لأنهم يعرفون الحق وينكرونه .. جاءهم عيسى فأنكروه بل حاولوا قتله .. وها هو محمد - ﷺبين أيديهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم لكنهم يرفضونه .. إن محمدًا عربي ليس من أبناء إسرائيل .. ليس من سلالة يهود إذًا فهو مرفوض وكما رفض حيي بن أخطب وأخوه الدخول في الإسلام فقد عاند وكابر يهودي آخر مثلهما تنصل من كل وعوده السابقة لليهود ولأهل المدينة فما هي وعوده السابقة .. وكيف تنصل منها؟ تلك قصة حضرها طفل مضطجع بفناء أهله .. حفظها لنا ثم قصها علينا بعد قدوم رسول الله -ﷺ- للمدينة.