هم الذين فضلوا جوار رسول الله -ﷺ- رغم العوز على أن يعيشوا عيشةً أيسر بجوار طاغية أو صنم .. يصفهم أحد الصحابة فيقول:
(أهل الصفة أضياف الإِسلام .. لا يأوون على أهل ولا مال) (٢) ويقول أحد الذين شاهدوهم:
(كان أصحاب الصفة الفقراء) (٣) لا يملكون شيئًا .. غرباء لا يعرفون أحدًا .. هذا هو أحد الفقراء .. أحد الذين عاشوا تلك المعاناة ودلفوا إلى تلك الصفة .. غريب اسمه طلحة بن عمرو ﵁ يقول:
(كان الرجل إذا قدم على النبي -ﷺ- وكان له بالمدينة عريف نزل
_________________
(١) لا أعرف تحديدًا صحيحًا لموقع الصفة وإلا لذكرته وذكرت إسناده.
(٢) متفق عليه .. انظر البخاري (٦٤٥٢) وهو حديث طويل وما ذكرته جزء منه.
(٣) حديث صحيح. رواه البخاري (٤٤٠).
[ ٢ / ٣٣ ]
عليه، وإذا لم يكن له عريف نزل مع أصحاب الصفة .. وكنت فيمن نزل الصفة) (١) .. لكن ماذا عن شعور رسول الله -ﷺ- نحو هؤلاء الضعفاء بعد أن بنى لهم تلك الصفة هل تخلى عنهم؟ .. يواصل طلحة حديثه فيقول:
(وكنت فيمن نزل الصفة فوافقت رجلًا وكان يجري علينا من رسول الله -ﷺ- كل يوم مد من تمر بين رجلين) (٢) لأن رسول الله -ﷺ- لا يجد لهم أكثر من مدٍ للاثنين معًا .. نصف مدٍ يملأ الكف الواحدة هو طعام الرجل من أهل الصفة من الليل إلى الليل .. نصف مد للرجل الواحد يومه وليلته .. وقد يأكل الرجل منهم وقد يأكلون جميعًا ورسول الله -ﷺ- لا يجد ما يأكله، وقد لا يجدون ولا يجد رسول الله -ﷺ- ما يأكله .. يقول أحد الصحابة:
(أهل الصفة أضياف الإِسلام لا يأوون على أهل ولا مال .. إذا أتته -ﷺ- صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئًا .. وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها) (٣).
إذًا فنصف المد لم يكن متوفرًا يوميًا بل ربما مر يوم أو يومان والانتظار يحرق أهل الصفة .. ينظر بعضهم إلى بعض .. وينظرون إلى باب
_________________
(١) إسنادُهُ صحيحٌ. رواه أحمد (٣/ ٢٨٧) وأبو نعيم (١/ ٣٣٩) واللفظ له من طريق: داود بن أبى هند عن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي عن طلحة بن عمرو وهذا الإسناد صحيح. داود ثقة متقن من رجال مسلم (التقريب ١/ ٢٣٥) وشيخه تابعى ثقة قيل إن اسمه محجن أو عطاء (التقريب ٢/ ٤١٠) وطلحة صحابى ﵁.
(٢) إسنادُهُ صحيحٌ. رواه أحمد (٣/ ٢٨٧) وأبو نعيم (١/ ٣٣٩) واللفظ له من طريق: داود بن أبى هند عن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي عن طلحة بن عمرو وهذا الإسناد صحيح. داود ثقة متقن من رجال مسلم (التقريب ١/ ٢٣٥) وشيخه تابعى ثقة قيل إن اسمه محجن أو عطاء (التقريب ٢/ ٤١٠) وطلحة صحابي ﵁.
(٣) متفق عليه قال أبو نعيم (١/ ٣٣٩).
[ ٢ / ٣٤ ]
الصفة .. إلى باب المسجد .. إلى باب رسول الله -ﷺ- يبحثون عن لقمة .. عن نصف لقمة عن أي شئ يسد جوعهم فلا يجدون سوى الجوع طعامًا وشرابًا .. ويخرج رسول الله -ﷺ- من بيته فتتعلق أعينهم به ويحدقون بيديه فيجدونها خالية كبطونهم .. فيدركون أنه ما من طعام .. يقول أحدهم: (والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع) (١) مثل هذا كيف سيصلى وقد حان وقت الصلاة؟!
ها هو -ﷺ- يدخل المسجد فتقام الصلاة .. ويقوم أهل الصفة خلف رسول الله -ﷺ- للصلاة وهم يترنحون من الهزال والجوع .. ويصطفون بين إخوانهم المصلين .. ويكبر -ﷺ- فيكبرون .. وفي لحظات الخشوع الهادئة مع الله يسمع المصلون دويًا وارتطامًا بين الصفوف .. ويسمع رسول الله -ﷺ- خلفه حركةً وأنينًا .. وتخفق القلوب القريبة من الحدث .. ويتألم الجميع بعد انقضاء الصلاة فماذا حدث ..
هذا هو فضالة بن عبيد الأنصاري .. أحد الصحابة ﵃ كان يصلي خلف رسول الله -ﷺ- .. سألناه: