فما هو ذلك الاسم .. يقول - ﷺ -: "أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون: يثرب! .. وهي "المدينة" تنفي الناس (٣) كما ينفي الكير خبث الحديد" (٤) إذًا فهي منذ الآن ستدعى: (المدينة) .. المدينة المنورة بالحب والأشواق والعناق ..
_________________
(١) حديث صحيح. رواه أحمد والترمذيُّ والنسائيُّ وابن ماجه (سيرة ابن كثير ٢/ ٣٨٥) من طريق شعيب وعقيل وصالح بن كيسان كلهم عن الزهري أخبرنا أبو سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عدي ﵁. وأبو سلمة والزهري تابعيان ثقتان جليلان.
(٢) حديث صحيح رواه الترمذيُّ وابن حبان والحاكم. انظر صحيح الجامع الصغير للإمام الألباني (٢/ ٩٧١).
(٣) أي تنفي الخبيث من الناس.
(٤) حديث صحيح. رواه البخاري (١٨٧١) ومسلمٌ والبيهقيُّ (٢/ ٥١٩).
[ ١ / ٢٨٠ ]
أما أهلها .. فعلى طريق مكة يترددون .. ينتظرون (يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة) (١) .. فرحوا بأصحابه واستقبلوهم .. وفتحوا لهم بيوتهم وصدورهم .. و(لما سمعوا بمخرج رسول الله - ﷺ -، وتوكفوا (٢) قدومه .. كانوا يخرجون إذا صلوا الصبح إلى الحرة ينتظرونه حتى تغلبهم الشمس على الظلال ويؤذيهم حر الظهيرة، فإذا لم يجدوا ظلًا دخلوا .. وذلك في أيام حارَّة) (٣) .. هذه هي المدينة المشتاقة وهؤلاء هم أهلها ..
أما رسول الله -ﷺ-، فما زال على الرمضاء يسير .. وفي مسيره ذلك يلتقي بشابٍ يحبه، يلتقي بشاب من أبطال الإسلام، إنه زوج (ذات النطاقين) زوج أسماء بنت أبي بكر الصديق واسمه: الزبير بن العوام، فهل كان قادمًا من المدينة؟ .. لا .. لقد كان في الشام، سافر مع قافلة من قوافل الصيف ثم عاد .. لقد (لقي رسول الله -ﷺ- في ركب من المسلمين كانوا تجارًا بالشام قافلين إلى مكة، فعارضوا رسول الله -ﷺ-، فكسا الزبير رسول الله -ﷺ- وأبا بكر ثيابًا بيضًا) (٤) .. قبلﷺ - الهدية من ابن عمته، ولبس وصاحبه الثياب، وأقبلا على المدينة .. يختلط بياض ثيابهم ببياض السراب .. لكن بعد أن أحرقت الشمس المنتظرين، فعادوا بعد انتظار طويل ..
_________________
(١) حديث صحيح. رواه البخاري (٣٩٠٦).
(٢) أي توقعوه وسألوا عنه.
(٣) سنده قوي. رواه ابن إسحاق (سيرة ابن كثير ٢/ ٢٦٨) حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة عن رجال من الصحابة. ومحمَّد ثقة (التقريب ٢/ ١٥٠) وعبد الرحمن ولد على عهد النبي - ﷺ - وروايته عن الصحابة ويشهد له ماقبله.
(٤) حديث صحيح. رواه البخاري (٣٩٠٦).
[ ١ / ٢٨١ ]
أقبل رسول الله -ﷺ- وأبو بكر فلم يرهما أحد من الأنصار .. لم يرهما أحد من المهاجرين .. ولا حتى من المشركين عابدي الأوثان .. لكن يهوديًا رآهما .. كان فوق حصن قومه .. واليهود أناس لا يعيشون إلا في حصون أو حاراتٍ مغلقةٍ عليهم وما زال جزء منهم كذلك إلى أيامنا هذه .. ربما كانوا يعتقدون أنهم أبناء الله وأن بقية البشر لا يستحقون شرف الاتصال بهم .. سندع اليهود وما يعتقدون لنتابع موقف ذلك اليهودي مما رأى .. ماذا فعل .. وماذا جرى للأنصار بعد ذلك .. وهل دخل - ﷺ - المدينة أم تريث أم ..؟