وصلت عائشة فكان حوارها معهم حنينًا .. وشعرًا وهذيانًا .. عائشة تحكى ما جرى في تلك الزيارة فتقول ﵂:
(لما قدم رسول الله -ﷺ - المدينة .. قدمها وهي أوبأ أرض الله من
_________________
(١) حديث قوى السند (رواه البيهقي ٢/ ٥٦٧): الأصم، حدثنا أحمد بن عبد الجبار حدثنا يونس بن بكير، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة الأصم إمام وثقة معروف وسماع شيخه للسيرة صحيح، ويونس بن بكير أحد رواه السيرة وهو حسن الحديث. (التقريب ٢/ ٣٨٤) وهشام ووالده لا يسأل عنهما وقد مرا معنا كثيرًا.
(٢) أحاديث صحيحة. انظر صحيح الجامع الصغير للإمام الألباني.
[ ١ / ٣٣٠ ]
الحمى، فأصاب أصحابه منها بلاءً وسقم وصرف الله ذلك عن نبيه .. فكان أبو بكر، وعامر بن فهيرة وبلال -موليا أبي بكر- في بيت واحد فأصابتهم الحمى، فدخلت عليهم أعودهم -وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب- وبهم ما لا يعلمه إلا الله من شدة الوعك فدنوت من أبي بكر فقلت:
كيف تجدك يا أبت؟ .. فقال:
كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله
فقلت: والله ما يدري أبي ما يقول .. ثم دنوت إلى عامر بن فهيرة فقلت: كيف تجدك يا عامر؟ .. قال:
لقد وجدت الموت قبل ذوقه إن الجبان حتفه من فوقه
كل امرئ مجاهد بطوقه كالثور يحمي جلده بروقه
فقلت: والله ما يدري ما يقول .. وكان بلال إذا أدركته الحمى اضطجع بفناء البيت ثم رفع عقيرته فقال:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بفخ وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يومًا مياه مِجنةً وهل يبدون لي شامة وطفيل) (١)
كان بلال يحترق من الحمى لكنه أشد احتراقًا بشوقه المستعر إلى مكة .. إلى سوق مجنة في أسفل مكة إلى جبلى شامة وطفيل اللذين يطلان كالحب على ذلك السوق .. كان يحن إلى مراتع الصبا بين تلك النبتات .. بين الإذخر والجليل .. ثم يزفر بأنفاسه الملتهبة بالحمى فيقول والحسرة في صدره:
_________________
(١) سنده صحيح. رواه ابن إسحاق (سيرة ابن كثير ٢/ ٣١٦) وقد سبق الكلام عليه وهو عند البخاري ومسلمٌ أيضًا انظر ابن كثير (٢/ ٣١٧).
[ ١ / ٣٣١ ]
(اللَّهم العن عتبة بن ربيعة .. وشيبة بن ربيعة .. وأمية بن خلف كما أخرجونا إلى أرض الوباء) (١).
تأثر النبي -ﷺ - بهذا الشوق والحنين .. وأخذته الشفقة بأصحابه وبالمدينة التي تسكن قلبه عندما سمع شكوى حبيبته عائشة التي تقول:
(ذكرت لرسول الله -ﷺ - ما سمعت منهم وقلت: إنهم ليهذون وما يعقلون من شدة الحمى فقال -ﷺ -:
"اللَّهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشد، وبارك لنا في مدها وصاعها، وانقل وباءها إلى مهيعة (٢) " (٣).
وفي ليلة من تلك الليالي المحمومة كان -ﷺ - في فراشه وعيناه نائمتان .. في تلك الليلة رأى شيئًا مخيفًا ومفرحًا في منامه .. فبشر به أصحابه وبشر به المدينة وقال:
(رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت مهيعة .. فأولتها: أن وباء المدينة نقل إلى مهيعة وهي الجحفة" (٤) .. وارتحل الوباء .. وارتحلت الحمى عن أبي بكر وبلال وعن عامر بن فهيرة ليعودوا حول رسول الله -ﷺ - مع المهاجرين والأنصار ويكحل عينيه بهم .. لكن تلك المجالس الطيبة تفتقد إلى أحد عظماء الأنصار .. ورسول الله -ﷺ - لا يعيش في أبراج بعيدًا عن أصحابه .. إنه منهم وبينهم يصافحهم ويبتسم في وجوههم .. يمشي في أسواقهم .. ويأكل من طعامهم .. ويزورهم في منازلهم .. ويسأل عن
_________________
(١) حديث صحيح. رواه البخاري (سيرة ابن كثير ٢/ ٣١٥).
(٢) الجحفة.
(٣) جزء من حديث ابن إسحاق السابق وهو حسن.
(٤) حديث صحيح. رواه البخاري والبيهقيُّ (٢/ ٥٦٨).
[ ١ / ٣٣٢ ]
غائبهم .. ويتفقد أحوالهم. يقول أحد الصحابة ﵁: (كان نبي الله -ﷺ - إذا جلس يجلس إليه نفر من الصحابة وفيهم رجل له ابن صغير يأتيه من خلف ظهره فيقعده بين يديه فقال له النبي - ﷺ -: "تحبه؟ " فقال:
يا رسول الله أحبك الله كما أحبه، فهلك، فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة لذكر ابنه، فحزن عليه، ففقده النبي -ﷺ - فقال:
"ما لي لا أرى فلانًا" .. فقالوا: يا رسول الله .. بنيه الذي رأيته هلك. فلقيه النبي - ﷺ - فسأله عن بنيه، فأخبره بأنه هلك، فعزاه عليه ثم قال -ﷺ -:
"يا فلان أيما كان أحب إليك: أن تمتع به عمرك .. أو لا تأتي غدًا إلى باب من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه يفتحه لك؟ " قال: يا نبي الله .. بل يسبقني إلى الجنة فيفتحها لي، لهو أحب إلي. قال -ﷺ -: "فذاك لك". فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله جعلني الله فداءك أله خاصة أو لكلنا؟ قال -ﷺ -: "بل لكلكم") (١).
هذه القصة الحزينة الجميلة .. ما أجل الحب والبراءة فيها.
ما أجمل الطفولة في مجلس النبي -ﷺ - .. وما أجمل هذا النبي وهو يسأل الرجل عن حبه .. وما أجمله وهو يحرضه على البوح بشيء من أعماقه .. وهو يعزيه .. وهو يعده بعينين بريئتين تتلهفان له عند باب الجنة .. هذه البشرى من عند الله ليست للرجال وحدهم .. وهذه العناية منه - ﷺ - ليست للرجال فقط .. يحدثنا صحابي آخر فيقول: (كان -ﷺ - يتعهد الأنصار، ويعودهم، ويسأل عنهم، فبلغه عن امرأة من الأنصار مات ابنها وليس لها غيره، وأنها جزعت عليه جزعًا شديدًا، فأتاها النبي -ﷺ - ومعه أصحابه،
_________________
(١) حديث صحيح. صححه الإِمام الألباني في أحكام الجنائز (١٦٢) وقد رواه النسائي وأحمدُ والحاكم.
[ ١ / ٣٣٣ ]
فلما بلغ باب المرأة، قيل للمرأة: إن نبي الله يريد أن يدخل: يعزيها، فدخل رسول الله -ﷺ - فقال: "أما إنه بلغني أنك جزعت على ابنك فأمرها بتقوى الله وبالصبر"، فقالت: يا رسول الله .. ما لي لا أجزع وإني امرأة رقوب لا ألد، ولم يكن لي غيره؟ فقال رسول الله -ﷺ -: "الرقوب: الذي يبقى ولدها"، ثم قال: "ما من امرئ أو امرأة مسلمة يموت لها ثلاثة أولاد يحتسبهم إلا أدخله الله بهم الجنة"، فقال عمر وهو عن يمين النبي -ﷺ -: بأبي أنت وأمى .. واثنن؟ قال -ﷺ -: "واثنين") (١).
إذًا فالنبي -ﷺ - (كان يتعهد الأنصار، ويعودهم ويسأل عنهم) (٢).
كان يتفقدهم رجالًا ونساءً .. أغنياء وفقراء .. كان يفرح معهم .. ويواسيهم في مصائبهم وأحزانهم .. كان يخفف عنهم بعض أعباء الحياة وهمومها ..
ها هو يتهيأ للخروج .. سوف يعود مريضًا .. وهذه المرة لم يكن المريض رجلًا عاديًا إنه أحد أبطال الأنصار وزعمائهم .. لقد سمع -ﷺ - بأن سعد بن عبادة يلازم فراشه فتحركت مشاعره نحو أخيه وحبيبه وتحركت دابته نحو هذا الأنصاري الكريم .. دعونا نمشى خلف رسول الله -ﷺ - فسوف يصادف في طريقه.