كانت هذه الرؤيا وحيًا من الله مَنَّ به على رسول الله - ﷺ - .. فضلًا منه لم يسع إليه - ﷺ - .. بل ساقه إليه .. تقول عائشة ﵂: (لما
_________________
(١) قطعة حسنة من الحرير.
(٢) يخاطب - ﷺ - في هذا الحديث زوجته عائشة ﵂.
(٣) حديث صحيح. رواه البخاري (٥/ ١٩٥٣). ومعنى يمضه: أي يتمه.
[ ١ / ٢٢١ ]
ماتت خديجة ﵂ جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون. قالت: يا رسول الله، ألا تزوج؟ قال - ﷺ -: "من؟ " قالت: إن شئت بكرًا وإن شئت ثيبًا. قال - ﷺ -: "فمن البكر؟ " قالت: ابنة أحب خلق الله ﷿ إليك، عائشة بنت أبي بكر. قال رسول الله - ﷺ -: "ومن الثيب؟ " قالت: سودة بنت زمعة، قد آمنت بك، واتبعتك على ما تقول. قال - ﷺ -: "فاذهبي فاذكريها علي".
فدخلت بيت أبي بكر، فقالت:
يا أم رومان (١) ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة. قالت أم رومان:
وما ذاك؟ قالت:
أرسلني رسول الله - ﷺ - أخطب عليه عائشة. قالت أم رومان:
انتظري أبا بكر حتى يأتي. فجاء أبو بكر. فقالت: يا أبا بكر ماذا أدخل عليكم من الخير والبركة. قال: وما ذاك؟ قالت:
أرسلني رسول الله - ﷺ - أخطب عليه عائشة. قال أبو بكر:
وهل تصلح له، إنما هي ابنة أخيه. فرجعت إلى رسول الله - ﷺ -، فذكرت له ذلك. قال - ﷺ -: "ارجعي إليه فقولي له: أنا أخوك، وأنت أخي في الإِسلام، وابنتك تصلح لي". فرجعت فذكرت ذلك. قال أبو بكر: انتظري -وخرج- قالت أم رومان: إن مطعم بن عدى قد كان ذكرها على ابنه، فوالله ما وعد وعدًا قط فأخلفه لأبي بكر، فدخل أبو
_________________
(١) هى أم عائشة ﵂.
[ ١ / ٢٢٢ ]
بكر ﵁ على مطعم بن عدي، وعنده امرأته -أم الفتى (١) - فقالت: يا ابن أبي قحافة، لعلك مصب (٢) صاحبنا -مدخله في دينك الذي أنت عليه إن تزوج إليك. قال أبو بكر للمطعم بن عدي:
أقول هذه تقول؟ قال الطعم: إما تقول ذلك (٣). فخرج من عنده، وقد أذهب الله ﷿ ما كان في نفسه من عدته التي وعده. فرجع فقال: ادعي لي رسول الله - ﷺ -. فدعته، فزوجها إياها -عائشة يومئذ بنت ست سنين- ثم خرجت فدخلت على سودة بنت زمعة، فقالت: ماذا أدخل الله ﷿ عليك من الخير والبركة. قالت سودة: وما ذاك؟ قالت:
أرسلني رسول الله - ﷺ - أخطبك عليه، قالت: -وودت- ادخلي إلى أبي فاذكري ذاك له -وكان شيخًا كبيرًا قد أدركه السنن قد تخلف عن الحج- فدخلت عليه، فحييته بتحية الجاهلية (٤). فقال:
من هذه؟ قلت: خولة بنت حكيم. قال:
فما شأنك؟ قلت: أرسلني محمَّد بن عبد الله - ﷺ - أخطب عليه سودة. قال:
كفء كريم. ماذا تقول صاحبتك؟ قلت:
_________________
(١) أي أم الفتى التى خطبت له عائشة.
(٢) الصابئ عند المشركين هو من ترك دينه وقد خافت أم الفتى أن يدخله أبو بكر في الإِسلام بعد زواجه من عائشة.
(٣) جاء في رواية أن المطعم (أقبل على امرأته فقال لها: ما تقولين، فأقبلت على أبى بكر، فقالت: لعلنا إن أنكحنا هذا الفتى إليك تصبئه وتدخله في دينك؟ فأقبل عليه أبو بكر، فقال: ما تقول أنت؟ فقال المطعم: إما لتقول ما تسمع. فقام أبو بكر وليس في نفسه من الموعد شيء. انظر سيرة الذهبي (٢٨١).
(٤) في رواية عند الذهبي: فقلت له: أنعم صباحًا.
[ ١ / ٢٢٣ ]
تحب ذاك. قال: ادعيها إلي. فدعيتها. قال: أي بنية إن هذه تزعم أن محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب قد أرسل يخطبك، وهو كفء كريم. أتحبين أن أزوجك به؟ قالت سودة: نعم. قال: ادعيه لي. فجاء رسول الله -ﷺإليه، فزوجها إياه. فجاء أخوها عبد بن زمعة من الحج، فجعل يحثي في رأسه التراب. فقال بعد أن أسلم: إني لسفيه يوم أحثي في رأسي التراب أن تزوج رسول الله - ﷺ - سودة بنت زمعة) (١).
ودخلت سودة بنت زمعة بيت رسول الله - ﷺ -، أول امرأة بعد خديجة .. وكانت مثل خديجة قد سبق لها الزواج برجل قبل رسول الله - ﷺ -، وربما كانت أسن منه .. أما عائشة ﵂ فقالت:
(تزوجني رسول الله - ﷺ - متوفى خديجة قبل مخرجه إلى المدينة بسنتين وأنا بنت سبع سنين) (٢). ودخل - ﷺ - على سودة .. لكنه لم يدخل على عائشة في مكة أبدًا .. أما سودة فالتحقت ببيته - ﷺ - .. تصلح من شأنه وترعاه وتزيح عنه الكدر والأذى الذي يلاحقه في شوارع مكة كظله.