كانت تلك الشرارة حروفًا مشتعلةً .. رسالةً تتقد تهديدًا ووعيدًا .. رسالةً تبشر بالمقابر .. (إن كفار قريش كتبوا إلى ابن أبي ومن كان يعبد معه الأوثان من الأوس والخزرج -ورسول الله -ﷺ- يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر-: إنكم آويتم صاحبنا .. وإنا نقسم بالله لتقاتلنه أو لتخرجنه أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلكم ونستبيح نساءكم ..
فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبي (١) ومن كان معه من عبدة الأوثان اجتمعوا لقتال النبى -ﷺ- .. فلما بلغ ذلك النبي -ﷺ- لقيهم .. فقال:
لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ .. ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم .. تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم؟!!
فلما سمعوا ذلك من النبي -ﷺ- تفرقوا) (٢) وتفرق الشر وهدأت الأنفاس .. وسكنت الأنفس المشحونة بالشر .. وسلمت المدينة من معركة
_________________
(١) هو عبد الله بن أبي بن سلول وهو ما يزال على شركه مجاهرًا معاندًا
(٢) صححه الإمام الألباني في صحيح أبي داود لكن اقرأ التعقيب على هذا التصحيح في بقية الحديث عند الكلام على: غزو بني النضير.
[ ٢ / ١٤ ]
كادت تطحن أهلها وجدرانها .. كلماتٌ بسيطة وهادئة أعادت السيوف إلى أغمادها .. أعادت العقول إلى رشدها .. وخذلت قريشًا .. وخذلت اليهود المتربصين خلف شقوق الأبواب .. وتم الحفاظ على كيان الدولة الإِسلامية الوليدة من حركة عسكرية كادت تعصف بأحلامها وشبابها .. فالمدينة بحاجة إلى تلك الأحلام وإلى ذلك الشباب .. إلى ذلك النبي العظيم الحكيم -ﷺ- .. ولم تكن يومًا من الأيام عطشى إلى تلك الدماء التي أدمنت سفحها أياد تمسحت بالجاهلية والأصنام .. ولن تسفك قريش مهما حاولت أكثر مما سيسفكه أهل المدينة بأيدي بعضهم البعض .. الأوس يدركون ذلك جيدًا .. والخزرج يدركون ذلك ويذكرونه .. وخطوات قليلة إلى مقابر ضحايا (بُعاث) تذكرهم متى ما تسلل النسيان إليهم .. إذًا فقد هدأت الأنفس بعد يوم مشحون .. نامت المدينة كطفل على تلك العبارات الحانية كصدر أم حنون ..
وأشرقت الشمس من جديد .. تحمل تعليمات جادةً وأعينًا أكثر اتساعًا على المستقبل والآفاق .. فالمدينة .. المدينة وأهلها في خطر .. وتوقعات أبي بكر الصديق ورؤيته الثاقبة بدأت تتشكل على أرض الواقع.