حان موعد الحج .. فتداعى الحجيج وسالوا من كل فج نحو بيت ربهم .. لكن الكعبة لم تكن تنتظر إلا وفدًا قادمًا من حرة يثرب .. فهم لا يحملون أصنامًا .. ولا يعلقون تمائم .. إفم يحملون توحيدًا يغسل الكعبة مما علق بها من أرجاس الشرك .. الشاعر كعب بن مالك أحد هؤلاء الموحدين يحمل شعرًا يحمل طهرًا ويحدثنا فيقول: (خرجنا في الحجة التي بايعنا فيها رسول الله - ﷺ - بالعقبة مع مشركي قومنا، ومعنا "البراء بن معرور" كبيرنا وسيدنا، حتى إذا كنا بظاهر "البيداء" قال: يا هؤلاء تعلمون أني قد رأيت رأيًا، والله ما أدري توافقون عليه أم لا، فقلنا: وما هو يا أبا بشر؟ قال: إني قد أردت أن أصلي إلى هذه البنية (١)، ولا أجعلها مني بظهر، فقلنا: لا والله لا تفعل، والله ما بلغنا أن نبينا يصلي إلا إلى الشام. قال البراء بن معرور: فإني والله لمصل إليها، فكان إذا حضرت الصلاة توجه إلى الكعبة، وتوجهنا إلى الشام حتى قدمنا مكة، فقال لي البراء بن معرور: يا ابن أخي انطلق بنا إلى رسول الله -ﷺ - حتى أسأله عما صنعته في سفري هذا، فلقد وجدت في نفسي منه بخلافكم إياي. فخرجنا
_________________
(١) يعني يريد استقبال الكعبة عندما يصلي.
[ ١ / ٢٣٨ ]
نسأل عن رسول الله، فلقينا رجلًا بالأبطح. فقلنا: هل تدلنا على محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب؟ فقال: فهل تعرفانه إن رأيتماه؟ فقلنا: لا والله ما نعرفه -ولم نكن رأينا رسول الله - ﷺ - فقال: فهل تعرفان العباس بن عبد المطلب؟ فقلنا: نعم. وقد كنا نعرفه، كان يختلف إلينا بالتجارة- فقال: فإذا دخلتما المسجد فانظرا العباس، فهو الرجل الذي معه. فدخلنا المسجد فإذا رسول الله - ﷺ - والعباس ناحية المسجد جالسين، فسلمنا، ثم جلسنا، فقال رسول الله - ﷺ - للعباس: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ قال العباس: نعم. هذا البراء بن معرور سيد قومه، وهذا كعب بن مالك. فوالله ما أنسى قول رسول الله - ﷺ -: الشاعر؟ قال العباس: نعم. فقال له البراء: يا رسول الله إني قد كنت رأيت في سفري هذا رأيًا، وقد أحببت أن أسألك عنه لتخبرني عما صنعت فيه. قال - ﷺ -: "وما ذاك؟ " قال البراء: رأيت أن أجعل هذه البنية مني بظهر، فصليت إليها. فقال له رسول الله - ﷺ -: قد كنت على قبلة. لو صبرت عليها. فرجع إلى قبلة رسول الله - ﷺ -) (١) .. ورجع هو ومن معه إلى رحال قومهم ..
وفي أواخر أيام الحج هذه تجهز الأنصار لموعد رسول الله - ﷺ - السرِّي في ليلة: