حيث تحولت قريش في اجتماعاتها الحاسمة إلى حمم من الغضب .. دار الندوة تحولت إلى بركان ثائر يريد رأس رسول الله -ﷺ- بأي ثمن .. فقد أيقنت قريش بأنه لا محالة خارج إلى مدينة الإسلام الجديدة متلحقًا بأصحابه .. الوضع مخيف جدًا .. قريش يخيفها مستقبلها المجهول إن انتصر عدوها محمد - ﷺ - .. لذلك اجتمعت في يوم أسمته (يوم الزحمة) الذي تحدث عنه ابن عباس فقال: (لما اجتمعوا لذلك، واتعدوا أن يدخلوا دار الندوة، ويتشاوروا فيها في أمر رسول الله -ﷺ-، غدوا في اليوم الذي اتعدوا له، وكان ذلك اليوم يسمى الزحمة، فاعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل، عليه بت (٣) له، فوقف على باب الدار، فلما رأوه واقفًا على بابها، قالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد، سمع بالذي اتعدتم له، فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى ألا يعدمكم منه رأي ونصح،
_________________
(١) أي أريد صحبتك في هذه الهجرة.
(٢) حديث صحيح رواه البخاري (٣٩٠٥).
(٣) البت: هو الكساء الغليظ.
[ ١ / ٢٥٢ ]
قالوا: أجل، فادخل. فدخل معهم، وقد اجتمع فيها أشراف قريش كلهم من كل قبيلة.
من بني عبد شمس: شيبة وعتبة ابنا ربيعة .. وأبو سفيان بن حرب. ومن بني نوفل بن عبد مناف: طعيمة بن عدي .. وجبير بن مطعم .. والحارث بن عامر بن نوفل. ومن بني عبد الدار بن قصي: النضر بن الحارث بن كلدة. ومن بني أسد بن عبد العزى: أبو البختري بن هشام .. وزمعة بن الأسود بن المطلب .. وحكيم بن حزام. ومن بني مخزوم: أبو جهل بن هشام .. ومن بني سهم: نبيه ومنبه ابنا الحجاج. ومن بني جمح: أمية بن خلف .. ومن كان معهم وغيرهم ممّن لا يعد من قريش .. فقال بعضهم لبعض:
إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد كان، وما قد رأيتم، وإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمن قد اتبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأيًا. فتشاوروا. ثم قال قائل منهم: احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابًا، ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين قبله: زهيرًا، والنابغة، ومن مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه منه ما أصابهم.
فقال الشيخ النجدي:
لا والله ما هذا لكم برأي، والله لو حبستموه كما تقولون لخرج أمره من وراء الباب الذي أغلقتموه دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم حتى يغلبوكم على أمركم هذا .. ما هذا لكم برأي فانظروا في غيره ثم تشاوروا، فقال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلدنا، فإذا خرج فوالله ما نبالي إلى أين ذهب، ولا حيث وقع إذا غاب عنا وفرغنا منه، فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت.
[ ١ / ٢٥٣ ]
قال الشيخ النجدي:
والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به، والله لو فعلتم ذلك ما أمنت أن يحل على حي من العرب، فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم، حتى يطأكم بهم، فيأخذ أمركم من أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد، أديروا فيه رأيًا غير هذا. فقال أبو جهل بن هشام: والله إن لي فيه لرأيًا ما أراكم وقعتم عليه بعد. قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن تأخذوا من كل قبيلة فتى شابًا جلدًا، نسيبًا وسيطًا فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفًا صارمًا، ثم يعمدون إليه، ثم يضربونه ضربة رجل واحد فيقتلونه فنستريح، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل (١) كلها، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا، ورضوا منا بالعقل فعقلناه لهم. فقال الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل. هذا الرأي لا رأي لكم غيره، فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له) (٢) ذلك ما أسفر عنه يوم الزحمة .. أما بيت أبي بكر .. فلم
_________________
(١) أي الدية.
(٢) حديثٌ حسنٌ بطرقه، رواه ابن إسحاق، ومن طريقه رواه الطبري (٢/ ٣٧٠) من عدة طرق، صرح فيها بالسماع، فقد سمعه من الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وهذا الطريق لا يفرح به لأن فيه الكلبي وهو تالف، أما الطريق الثانية: الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس. والحسن هذا متروك، أما الطريق الثالثة فرجالها ثقات: حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جبير عن ابن عباس، ومجاهد إمام تابعى ثقة معروف وعبد الله بن أبي نجيح ثقة، لكنه ربما دلس أي أنه قليل التدليس، وللحديث شواهد تجعله حسنًا لا شك، فقد رواه عبد الرزاق بسند صحيح عن قتادة (٥/ ٣٨٩) مرسلًا وهذا شاهد يكفى، كذلك له شاهد آخر من طريق الواقدي: عدة أسانيد عن علي وعائشة وسراقة. والواقدي متروك.
[ ١ / ٢٥٤ ]
يكن أقل نشاطًا مما يحدث في دار الندوة .. فالكتمان والصمت والعمل الدؤوب شعار للجميع. تقول عائشة:
(فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين) (١)، فتاتان من فتيات الإسلام يواجهن الموت ليل نهار .. يردن بذلك وجه الله .. ينشرن أذرعهن طريقًا لمدينة الإسلام .. هاتان الفتاتان ليستا وحدهما من بين شباب الإسلام .. كان هناك شاب عظيم طرح للموت جسدًا باعه لله .. يفتدى به رسوله - ﷺ- ذلك هو: