رآها - ﷺ - في المدينة .. نبتة مشوهة تظهر لأول مرة .. أثارها غبار دابة
_________________
(١) سنده حسن على شرط مسلم كما قال الإِمام الألباني في الجنائز (١٦٤) وقد عزاه للحاكم والبزار تبعًا للهيثمى.
(٢) سنده حسن على شرط مسلم كما قال الإِمام الألباني في الجنائز (١٦٤) وقد عزاه للحاكم والبزار تبعًا للهيثمى.
[ ١ / ٣٣٤ ]
رسول الله - ﷺ - المتجهة تحمل حبًا نحو سعد بن عبادة .. أثارها ذلك الغبار فاهتزت وتطايرت أشواكها فجرحت مشاعر رسول الله - ﷺ - .. ما هذه الشجرة .. وهل وصل - ﷺ - إلى بيت سعد بن عبادة ..؟ لا أحد يستطيع وصف ما حدث مثل الطفل أسامة بن زيد حبيب رسول الله - ﷺ - فقد كان يركب خلف رسول الله - ﷺ - فوق تلك الدابة .. ها هو أسامة .. يحدثنا فيقول:
(إن رسول الله - ﷺ - ركب حمارًا عليه إكاف (١) على قطيفة فدكية (٢) .. وأردف أسامة بن زيد وراءه .. يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر .. حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول، وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي، فإذا بالمجلس أخلاط من المسلمين .. ومن المشركين عبدة الأوثان .. واليهود، وفي المسلمين عبد الله بن رواحة .. فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة (٣)، حمَّر (٤) ابن أبي أنفه بردائه ثم قال: لا تغبروا علينا.
فسلم رسول الله - ﷺ - .. ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله ﷿ .. وقرأ عليهم القرآن ..
فقال عبد الله بن أبي بن سلول: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقًا .. فلا تؤذنا به في مجالسنا .. ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه ..
_________________
(١) سرج الحمار.
(٢) نسبة إلى فدك وهي بلدة قريبة من المدينة المنورة.
(٣) غبارها.
(٤) غطى.
[ ١ / ٣٣٥ ]
فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله .. فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك .. واستب المسلمون والمشركون .. واليهود .. حتى كادوا يتثاورون (١) ..
فلم يزل رسول الله - ﷺ - يخفضهم حتى سكتوا .. ثم ركب رسول الله - ﷺ - دابته حتى دخل على سعد بن عبادة .. فقال له رسول الله - ﷺ -:
"أيا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب -يريد عبد الله بن أبي ..؟ " قال: كذا- وكذا .. قال سعد بن عبادة:
يا رسول الله اعف عنه واصفح .. فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك .. ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة (٢) على أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة (٣)، فلما رد الله بالحق الذي أعطاك شرق بذلك، فذلك الذي فعل به ما رأيت ..
فعفا عنه رسول الله - ﷺ - .. وكان وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمره الله ﷿ ويصبرون على الأذى، قال الله ﷿: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٤).
وقال ﷿: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٥).
_________________
(١) يتواثبون للقتال.
(٢) أي القرية أي المدينة المنورة.
(٣) أي يجعلوه زعيمًا للأوس والخزرج.
(٤) سورة آل عمران: الآية ١٨٦.
(٥) سورة البقرة.
[ ١ / ٣٣٦ ]
وكان رسول الله - ﷺ - يتأول في العفو ما أمره الله ﷿ به ..) (١).
لأنه ظل وارف للجميع .. حتى لهؤلاء المشركين واليهود .. ولولا ذلك لما تجرأ أحد منهم حتى على الهمس .. وفي هذا الظل المتاح للجميع تحول ابن أُبي إلى كهفٍ للأصنام والمشركين وكهفٍ لليهود .. لقد تحول إلى كهفٍ لمشروعٍ يحاك في الظلام لتقويض هذه الدولة الجديدة ..
عبد الله بن أبي لم يتأذَ من غبار الدابة .. ولم يخمر أنفه من أجل سلامة رئتيه .. فهو ليس غريبًا على الغبار .. والغبار ليس بغريب عليه .. لكنه خمر عقله وقلبه عن الحقيقة ..
هو يضيق براكب الدابة وبكل ما يفعله ويقوله .. إنه يقرأ هزيمته في كل سعادة أدخلها نبي الله - ﷺ - على كل بيت .. إنه يرى نكسته في فرح الرجال والنساء وابتسامات الأطفال وهم يلتصقون برسول الله - ﷺ -.
لا أدري ما هو مصير المدينة لو توج عبد الله بن أبي بن سلول .. وإلى أي قاع سوف يرسو بها .. إن زعامة عبد الله بن أبي ليست -في حالة نجاحها- سوى تأجيل لوقت انفجار قنبلة موقوتة فالجاهلية هي الجاهلية .. والثأر لا يطفئه سوى الثأر ما دامت الأصنام رابضة في البيوت والأندية ..
عبد الله بن أُبي بن سلول المشرك ضاق بهؤلاء الأضياف المهاجرين .. وطار صوابه لهذا الكرم الأنصاري .. لقد فقد صداقاته وزعامته .. فقومه يحبونهم أكثر مما يحبونه .. إنهم يلتقون في ذلك المسجد خمس مرات في اليوم .. كيف ذلك .. أليس من سبيل إلى استعادة أحد منهم .. أو شيءٍ منهم .. أليس من سبيل إلى إعادة هؤلاء المهاجرين وطردهم مع نبيهم من
_________________
(١) حديث صحيح. رواه البخاري (٤٥٦٦).
[ ١ / ٣٣٧ ]
المدينة أليس من سبيل إلى تشريدهم خلف جبال المدينة ..؟ المدينة تقول: لا يا ابن أبي بن سلول .. ليس هناك من سبيل .. فلقد تغيّر أصحابك .. غيّرهم نبي الله .. وغيّر نفوسهم .. وغيّر بلدتك وغيّر اسمها .. وإن لم تكن تحتمل هذا التغير وهذا الحب الذي تكرهه فاذهب إلى دار أنس بن مالك لتنظر ماذا يفعل نبي الله - ﷺ - .. وماذا يفعل معه المهاجرون والأنصار .. اذهب إلى دار أنس بن مالك فهناك أمرٌ خطير لا أظنك سوف تحتمله.