.. رجل من بني إسرائيل .. من اليهود .. عالم ومثقف كبقية علماء اليهود لكن صدره أبيض كالثلج .. واسع المدى .. متلهف للحقيقة كالضياع كالعطش .. عالم اسمه عبد الله بن سلام .. صادق اسمه عبد الله ابن سلام .. كان يحدث من حوله فيقول:
[ ١ / ٢٩٨ ]
(لما أن قدم رسول الله -ﷺ- المدينة وانجفل (١) الناس قبله فقالوا: قدم رسول الله -ﷺ- .. فجئت في الناس لأنظر في وجهه، فلما رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته منه أن قال:
يا أيها الناس:
أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصِلُوا الأرحام، وصَلُّوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) (٢).
كلمات قليلة تذوب فيها كل نظريات العدل والمساواة والإصلاح التي ينادي بها البشر .. أي مجتمع سيولد في المدينة .. مجتمع تفشو بين أهله التحايا والهدايا والسلام .. مجتمع يمد يديه للمحتاج .. ويشق الطرقات بين الأقارب والأرحام .. وعندما يهدأ النهار ويدلف إلى خبائه .. وتسكن الطيور في الأوكار .. تحلق أرواحٌ مؤمنة إلى ربها تناجي وتخاف وترجو بدموعها رحمة الرحيم .. أيقن ابن سلام أن هذا الرجل ليس بكذاب .. ولا يأتي كذاب بمثل هذا الحب والسلام ..
لكن أين كان ابن سلام عندما قدم رسول الله -ﷺ-؟ أنس بن مالك يقول إنه كان في نخلٍ لأهله يخترف لهم الرطب .. فجاء وأدوات الاختراف بيديه نسي أن يتركها من شدة ذهوله .. يقول أنس:
(وقيل في المدينة: جاء نبي الله - ﷺ -، فاستشرفوا نبي الله ينظرون إليه، ويقولون: جاء نبي الله .. فأقبل يسير حتى نزل إلى جانب دار أبي أيوب ..
_________________
(١) انطلق الناس نحو رسول الله -ﷺ-.
(٢) سنده صحيح. رواه الترمذيُّ وابن ماجه والبيهقيُّ (٢/ ٥٣١) من طرق عن عوف بن أبي جميلة وهو ثقة من رجال الشيخين عن زرارة بن أبي أوفى العامري وهو ثقة عابد وتابعي من رجالهما (التقريب ٢/ ٨٩) و(١/ ٢٥٩).
[ ١ / ٢٩٩ ]
فإنه ليحدِّث أهله إذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله يخترف لهم، فعجل أن يضع الذي يخترف فيها، فجاء وهي معه .. وسمع من نبي الله - ﷺ - ورجع إلى أهله ..
وقال نبي الله - ﷺ -: أي بيوت أهلنا أقرب؟ فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله، هذه داري .. وهذا بابي .. قال - ﷺ -:
"انطلق فهيئ لنا مقيلًا"، فذهب فهيأ ثم جاء .. فقال: يا رسول الله - ﷺ - قد هيأت مقيلًا، قوما على بركة الله فقيلا) (١).
لقد ذهب عبد الله بن سلام .. سمع وعاد فمتى أسلم وكيف أسلم؟ يقول أنس: (فلما جاء نبي الله - ﷺ - جاء عبد الله بن سلام فقال:
أشهد أنك نبي الله حقًا، وأنك جئت بحق، ولقد علمت يهود أني سيدهم، وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم ..، فادعهم فسلهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت، قالوا فيَّ ما ليس فيَّ، فأرسل نبي الله - ﷺ - إليهم، فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله -ﷺ-:
"يا معشر اليهود، ويلكم اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقًا، وأني جئت بحق أسلموا" فقالوا: ما نعلمه) (٢). ترى هل أسلم هذا العالم المثقف لمجرد رؤيته رسول الله -ﷺ- دون استفسار .. دون سؤال أو حصول على علامة وبيان ..؟ هذا ما لا يفعله عادة المثقفون والعلماء وعبد الله بن سلام منهم .. فهو لم يسلم مباشرة .. أنس بن مالك مرة أخرى يتحدث .. مرة أخرى يخصص حديثه عن ابن سلام .. فيقول:
_________________
(١) حديث صحيح. رواه البخاري (٣٩١١) والبيهقيُّ واللفظ له (٢/ ٥٢٨).
(٢) حديث صحيح. رواه البخاري (٣٩١١) والبيهقيُّ واللفظ له (٢/ ٥٢٨).
[ ١ / ٣٠٠ ]
(سمع عبد الله بن سلام بقدوم رسول الله -ﷺ- وهو في أرضٍ فأتى النبي -ﷺ-، فقال: إني أسألك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبى:
ما أول أشراط الساعة (١)؟
وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه وإلى أمه؟
قال -ﷺ-:
"أخبرني بهن جبريل آنفًا" .. قال ابن سلام: جبريل؟! قالﷺ-:
"نعم" .. قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة .. ثم قرأ -ﷺ-
هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾.
أما أول أشراط الساعة: فنار تخرج على الناس من المشرق إلى المغرب.
وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت.
وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إلى أبيه، وإذا سبق ماء المرأة نزعت الولد.
قال ابن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله .. يا رسول الله إن اليهود قوم بهت (٢)، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسلهم عني بهتوني، فجاءت اليهود إليه .. قال -ﷺ-:
"أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ " قالوا: خيرنا وابن خيرنا ..
_________________
(١) علامات الساعة، وعلامات الساعة كثيرة منها بعثة رسول الله -ﷺ- لكن لها علامات كبرى عجيبة مفاجئة للعالم هذه أولها ومنها خروج اليهودى المسيح الدجال ونزول المسيح عيسى بن مريم وخروج يأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من جهة المغرب
(٢) أقوام يفترون ويكذبون ويلصقون في المرء ما ليس فيه.
[ ١ / ٣٠١ ]
وسيدنا وابن سيدنا .. قال -ﷺ -: "أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟ " قالوا: أعاذه الله من ذلك ..، فخرج عبد الله، فقال:
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. قالوا:
شرنا وابن شرنا .. وتنقصوه (١). قال ابن سلام: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله) (٢).
هذا هو الفرق بين اليهود والنصارى بل وغير النصارى غالبًا فالنصارى ضلوا الطريق فسماهم الله (الضالين) .. أما اليهود فهم يعرفون الحق ويتركونه ولذلك وصفهم الله بـ: (المغضوب عليهم) والتاريخ يحدثنا عن اليهود كثيرًا وعن رفضهم وقتلهم الأنبياء والمصلحين .. بل إنهم سبب ضلال النصارى (٣) وبعدهم عن الحق .. فلا غرابة ولا عجيب أن رفضوا رسالة الإِسلام، لا سيما وأن النبي -ﷺ - ليس منهم .. هؤلاء يهود .. وغبي كل الغباء من يظن أنهم غير ذلك .. والتاريخ شاهد والواقع على طرقاتنا يتلو علينا كل صباح مؤامراتهم ..
فلننصرف عنهم كما انصرفوا عن رسول الله -ﷺ - .. ولندخل مع رسول الله -ﷺ - إلى دار أبي أيوب .. الذي أصبح مقرًا مؤقتًا لرسول الله -ﷺ - ريثما يجد له منزلًا مستقلًا به وبزوجته القادمة سودة ﵂ .. فتحنا الباب فوجدنا أبا أيوب رجلًا من كرم .. رجلًا من شعور .. مهذب
وحساس ومحب لله ولرسول الله -ﷺ - وللإسلام أكثر من نفسه .. كان صدره أفسح من بيته .. وكانت يداه غيمتين .. جدران بيت أبي أيوب
_________________
(١) عابوه.
(٢) حديث صحيح. رواه البخاري والبيهقيُّ واللفظ له (٢/ ٥٢٩).
(٣) كما مر معنا في قصة بولس أو شاءول.
[ ١ / ٣٠٢ ]
تحكى لنا هذه القصة .. تروي لنا كم كان أبو أيوب مسلمًا .. كم كان عظيمًا .. يقول أبو أيوب:
(لما نزل علىَّ رسول الله -ﷺ- في بيتي نزل في السفل، وأنا وأم أيوب في العلو .. فقلت له: بأبي أنت وأمى يا رسول الله، إني أكره وأُعظِم أن أكون فوقك وتكون تحتي، فاظهر أنت فكن في العلو، وننزل نحن فنكون في السفل. فقال -ﷺ-:
"يا أبا أيوب إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن أكون في سفل البيت". فكان رسول الله - ﷺ - في سفله، وكنا فوقه في المسكن، فلقد انكسر حب (١) لنا فيه ماء، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها، ننشف بها الماء تخوفًا أن يقطر على رسول الله -ﷺ- منه شئ فيؤذيه.
وكنا نصنع له العشاء ثم نبعث إليه، فإذا رد علينا فضله تيممت أنا وأم أيوب موضع يده (٢) فأكلنا منه نبتغي بذلك البركة، حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه وقد جعلنا له فيه بصلًا أو ثومًا، فرده رسول الله -ﷺ-، فلم أر ليده فيه أثرًا .. فجئته فزعًا، فقلت:
يا رسول الله بأبي أنت وأمى رددت عشاءك ولم أر فيه موضع يدك؟ فقال -ﷺ-: "إني وجدت فيه ريح هذه الشجرة، وأنا رجل أناجى، فأما أنتم فكلوه .. فأكلناه ولم نصنع له تلك الشجرة") (٣) وما دام -ﷺ- يكره رائحتها
_________________
(١) وعاء يوضع فيه الماء كالزير والجرة.
(٢) أي بحثوا عن مواضع أصابعه وقصدوها.
(٣) إسنادُهُ صحيحٌ. رواه ابن إسحاق وصرح بالسماع من شيخه يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن أبي رهم السماعى حدثنى أبو أيوب، ويزيد ومرثد فقيهان ثقتان وأبو رهم هو كلثوم بن الحصين أحد الصحابة ﵃. انظر سيرة ابن كثير (٢/ ٢٧٧).
[ ١ / ٣٠٣ ]
فأبو أيوب يكرهها كذلك، لقد قال لرسول الله -ﷺ- (فإني أكره ما تكره) (١) .. ومع ذلك لم تسكن نفس أبي أيوب، لم يجد للراحة مكانًا .. لم يجد للراحة طعمًا رغم شدة فرحه برسول الله -ﷺ- داخل بيته .. لماذا؟ .. لماذا؟