أحد الذين حضروا تلك الدموع .. صحابي اسمه: سهل بن سعد الساعدي ﵁ يقول:
"كان رسول الله -ﷺ - يقوم إذا خطب إلى خشبة كانت في المسجد، فلما ذاع الناس وكثروا قيل له: يا رسول الله لو جعلت منبرًا تشرف على الناس منه؟
فبعث إلى النجار فانطلق .. فانطلقت معه حتى أتى الغابة فقطع منها أثلًا .. فعمله وهيأه ثم أتينا نحمله، فكان "درجتين" والثالثة مقعد لرسول الله -ﷺ - .. فوالله ما هو إلا أن قعد عليه رسول الله -ﷺ - .. فتكلم، وفقدته الخشبة .. فخارت كخوار الثور لها حنين حتى فزع الناس .. وكثر البكاء مما رأوا بها، فقال رسول الله -ﷺ -: "سبحان الله ألا ترون إلى هذه الخشبة" (١). تأثر -ﷺ - بذلك الحنين وهو على المنبر (فنزل رسول الله -ﷺ - حتى أخذها فضمها إليه فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت حتى استقرت) (٢) كأن هذا الجذع متفرع من جذور الحب .. كأنه أحد
_________________
(١) حديثٌ حسنٌ. رواه أبو نعيم في الدلائل (٤٠٣)، أبو يعلى حدثنا كامل بن طلحة حدثنا ابن لهيعة عن عمارة بن غزية أنه سمع عباس بن سهل يخبر عن أبيه وهذا سند صحيح لولا اختلاط ابن لهيعة لكنه لم ينفرد فقد رواه البيهقي من طريقين عن أبي بكر بن أويس عن سعد بن سعيد بن قيس عن عباس عن أبيه (٢/ ٥٥٩) وعلته سعد بن سعيد وحديثه حسن بالشواهد فهو صدوق سيىء الحفظ.
(٢) حديث صحيح. رواه الإِمام البخاري والبيهقيُّ (٢/ ٥٦٠).
[ ١ / ٣١٠ ]
المهاجرين والأنصار .. كأنه مكة .. مكة التي تفتقد إلى وجه ابنها وحبيبها -ﷺ - .. كأنه تلك الحجارة التي كانت تسلم عليه -ﷺ - كلما مر بها .. وتبادله حبًا بحب وشوقًا بشوق .. هذا الجذع بكى لأن رسول الله -ﷺ - لن يخطب عليه بعد اليوم .. لن يحظى بدفء جسده بعد اليوم وسوف يفتقد إلى ذكر الله يفوح عطرًا وهدايةً من رسول الله -ﷺ - .. لقد عبر -ﷺ - عمَّا بأعماق هذه الشجرة عندما قال: (بكت على ما كانت تسمع من الذكر عندها) (١) إنها تغبط: