هذا الخبر هدية قادمة من السماء .. كان في الماضي شوقًا وأمنية تتردد في صدره -ﷺ- مذ كان في مكة .. مذ كان يخر ساجدًا لله في بيته المحرم .. متجهًا بقلبه نحو الله .. مستقبلًا الشام .. حيث المسجد الأقصى .. لكنه كان يقوم بحركة تعبر عن ذلك الحلم الذي لا يستطيع الإفضاء به .. كان -ﷺ- يجعل الكعبة أمام وجهه بحيث تكون بينه وبين المسجد الأقصى .. لكن ماذا عنه الآن .. إنه ما زال ينفذ أمر ربه .. فيستقبل المسجد الأقصى .. أما الكعبة .. أما حبيبته الحزينة .. التي نشأ بالقرب منها .. وأحبها ووضع حجرها .. فالجاهلية بينهما .. حبيبته بعيدة .. لا يستطيع رؤيتها .. ولا الحديث إليها .. ولا تحسس لباسها .. ولا حتى استقبالها .. إنها هناك أسيرة .. وهو ها هنا مشتاق .. يتقلب وجهه في السماء .. ويطوف طرفه في أرجائها (كان رسول الله -ﷺ- يصلي نحو بيت المقدس ويكثر النظر إلى السماء ينتظر أمر الله فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ
[ ٢ / ٢٨ ]
قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾) (١).
إذًا فالقبلة تحولت من بيت المقدس إلى البيت الحرام بمكة المكرمة لكن متى كان ذلك .. وما علاقة اليهود بالقبلة واتجاه المسلمين في صلاتهم .. وماذا حدث عند سماع الخبر.
أما متى فخبر ذلك عند البراء بن عازب ﵁:
يخبرنا البراء عن ذلك فيقول: (إن رسول الله -ﷺ- صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا .. وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَل البيت .. وأنه صلى أول صلاة صلاها: صلاة العصر .. وصلى معه قوم فخرج رجل ممّن كان صلى معه -ﷺ- فمر على أهل المسجد وهم راكعون فقال:
أشهد بالله لقد صليت مع النبي -ﷺ- قبل مكة .. فداروا كما هم قبل البيت) (٢) الحرام .. نفذوا .. امتثلوا دون تردد .. فالأمر وحي والتساؤل فيما بعد .. لكن إذا كان هناك تساؤل فهل هو اعتراض أو احتجاج كاحتجاج يهود .. المؤمنون أرقى من ذلك .. إن لهم قلوبًا رقيقة ومشاعر طيبة .. كان تساؤلهم ذلك رحمة وإشفاقًا على إخوانٍ لهم ماتوا ولم يصلوا تجاه المسجد الحرام. البراء ينقل تلك المشاعر لنا فيقول:
(فقال رجال من المسلمين وددنا لو علمنا علم من مات منا قبل أن
_________________
(١) سنده صحيح. رواه ابن إسحاق (تفسير ابن كثير، سورة البقرة ١٤٣): حدثنى. إسماعيل ابن أبى خالد، عن أبى إسحاق، عن البراء وشيخ ابن إسحاق وشيخ شيخه تابعيان ثقتان ثبتان. انظر التقريب (١/ ٦٨) (٢/ ٧٣).
(٢) حديث صحيح. رواه البخاري (٤٠).
[ ٢ / ٢٩ ]
نصرف إلى القبلة وكيف بصلاتنا نحو بيت المقدس) (١).
بل إن البراء ﵁ كان أحد المتسائلين .. هو نفسه يقول: (وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجالًا قتلوا لم ندر ما نقول فيهم .. فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾) (٢) وهو أرحم من أن يخذل من قصده وأناخ رحله وقلبه ببابه .. ولعل تلك التساؤلات بدأت بُعيد الصلاة .. وبدت المدينة مشغولة بهذا الحدث الكبير فتأخر وصول الخبر إلى أهل قباء ومسجد قباء .. فـ (بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال إن رسول الله -ﷺ- قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها .. وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة) (٣).
كما استدار أصحابهم في المدينة .. كما امتثل إخوانهم هناك خلف رسول الله -ﷺ.
أما اليهود فقد استدارت قلوبهم عن الله وعن رسوله -ﷺ- وعن قبلته الجديدة .. وتطايرت من حصونهم وألسنتهم ألفاظ الاستهجان والاحتجاج .. ها هم يجوبون شوارع المدينة - في سفاهة وسماجة يقولون:
(ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها .. فأنزل الله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾) (٤) لله المشرق والمغرب ولا شيء
_________________
(١) حديث صحيح. وهو جزء من حديث ابن إسحاق السابق.
(٢) حديث صحيح. رواه البخاري (٤٠).
(٣) حديث صحيح. رواه البخاري (٤٠٣) ومسلمٌ من حديث ابن عمر (المساجد ١٣).
(٤) سنده صحيح. وهو جزء من حديث ابن إسحاق السابق.
[ ٢ / ٣٠ ]
لليهود .. الأمر وحي واليهود حاربوا الوحي وقتلوا حملة الوحي من الأنبياء .. فكيف لا يحاربون وحيًا نزل على غيرهم .. ونبيًا ليس من بينهم .. واكتملت الآيات وتلاها رسول الله -ﷺ- وتلاها أصحابه .. ومن بعدهم سيتلونها.
سيتلونها هكذا: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ- (١) - مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ- (٢) - الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ- (٣) - لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا
_________________
(١) أي اليهود.
(٢) أي باتجاه المسجد الحرام.
(٣) أي اليهود.
[ ٢ / ٣١ ]
يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١) .. إلى ما ضلت عنه اليهود وضل عنه النصارى ..
كانت تلك الأحداث بعد منتصف شهر رجب من السنة الثانية من الهجرة .. وبعد عودة سَريَّة عبد الله بن جحش .. حدثنا بذلك سعد بن أبي وقاص ربما بعد أن وجد بعيره .. يقول ﵁ (صلى رسول الله -ﷺ- ست عشر شهرًا .. ثم حول بعد ذلك قبل المسجد الحرام قبل بدر بشهرين) (٢).
إذًا فالنخل الذي كان في قبلة المسجد أصبح في مؤخرة المسجد وبما أن المسجد كان (مبنيًا باللبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل) فيكون المسجد كله مسقوفًا .. وبناء جدار في قبلته السابقة -مؤخرته الآن- أو بناء جدار في أحد زواياه قد يفى بحاجةٍ ماسةٍ تحطم القلب وتدمع لها العين .. حاجة تطل من منافذ المدينة كل يوم .. كل يوم حيث يتهادى إلى المدينة مهاجر أو مهاجرون .. بعضهم ضاق بقومه .. والبعض ضاق به قومه وضيقوا عليه وسلبوا كل شئ لديه .. أو دفع كل شئ ثمنًا لهذا الهروب الحبيب .. دون مال يأتون .. البعض حفاة .. وبعضهم أشباه عراة .. وأحضان المدينة والأنصار تضمهم .. وهذه الدولة الصغيرة تستقبلهم
_________________
(١) سورة البقرة: الآيات ١٤٢ - ١٥٠.
(٢) سنده صحيح. رواه البيهقي في الدلائل (٢/ ٥٧٣): حدثنا أبو العباس محمَّد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا ابن فضيل، عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب، قال: سمعت سعد بن أبي وقاص .. وهذا السند صحيح، سعيد بن المسيب إمام التابعين وتلميذه تابعي ثقة من رجال الشيخين (التهذيب ١١/ ٢٢١) أما ابن فضيل فاسمه: محمَّد بن فضيل بن غزوان وهو ثقة ثبت (التقريب ٢/ ٢٠٠) و(التهذيب ٩/ ٤٠٥) وسماع تلميذه للسيرة صحيح، وأبو العباس هو الإمام الثقة الثبت المعروف بالأصم.
[ ٢ / ٣٢ ]
وتحميهم .. لكن بيوت الأنصار قد امتلأت .. والهاربون والمطاردون قد كثروا .. نظر -ﷺ- إليهم .. تأملهم .. تأمل أبيات الأنصار الممتلئة .. وتأمل فقره وفقرهم .. نظرﷺ- إلى مسجده فجعله دار من ليس له دار .. ومأوى من ليس له مأوى .. فبنى ذلك الجدار داخل المسجد (١) .. فأصبح هناك حجرة (صفة) متواضعة .. تدافع القادمون إليها .. وعاش في تلك الصفة رجال يبيت معهم الفقر حيث باتوا .. يمسى بينهم ويصبح كظلهم .. يأكل ولا يأكلون .. ويشرب ولا يشربون .. عاشوا فيها أيامًا ليست كالأيام .. وميزهم الفقر بلقب كالفقر هو: