يقول علي ﵁:
(لما أمر الله ﵎ رسوله - ﷺ - أن يعرض نفسه على قبائل العرب، وأنا معه، وأبو بكر ﵁، فدفعنا إلى مجلس من مجالس العرب، فتقدم، أبو بكر وكان مقدمًا في كل خير، وكان رجلًا نسابة- فسلم، وقال: ممّن القوم؟
قالوا: من ربيعة.
قال أبو بكر: وأي ربيعة أنتم؟ أمن هامها، أي من لهازمها (١)؟
فقالوا: من الهامة العظمى.
_________________
(١) اللهزمة عظم في اللحى تحت الحنك أي من أشرافها.
[ ١ / ٢٢٥ ]
فقال أبو بكر ﵁: وأي هاماتها العظمى أنتم؟ قالوا: من ذهل الأكبر؟ قال أبو بكر:
منكم عوف الذي يقال له: لا حر بوادي عوف؟ قالوا:
لا. قال: فمنكم جساس بن مرة، حامي الذمار (١) ومانع الجار؟ قالوا:
لا. قال: فمنكم بسطام بن قيس، أبو اللواء، ومنتهى الأحياء؟ قالوا:
لا. قال: فمنكم الحوفزان، قاتل الملوك، وسالبها أنفسها؟ قالوا:
لا. قال: فمنكم المزدلف، صاجا العمامة الفردة؟ قالوا:
لا. قال: أخوال الملوك من كندة؟ قالوا:
لا. قال: أصحاب الملوك من لخم؟ قالوا:
لا. قال: فلستم من ذهل الأكبر، أنتم من ذهل الأصغر.
فقام إليه غلام من بني شيبان يقال له "دغفل" حين تبين وجهه فقال:
إن على سائلنا أن نسله والعبو لا نعرفه أو نجهله
يا هذا .. قد سألتنا فأخبرناك، ولم نكتمك شيئًا، فممن الرجل؟
قال أبو بكر: أنا من قريش.
فقال الفتى: بخٍ .. بخٍ أهل الشرف والرياسة. فمن أي القرشيين أنت؟ قال أبو بكر: ولد تيم بن مرة.
فقال الفتى: أمكنت والله الرامي من سواء الثغرة، أمنكم قصي (٢)
_________________
(١) أي ما يحمي كالأهل والعرض والمال.
(٢) جد النبي - ﷺ -.
[ ١ / ٢٢٦ ]
الذي جمع القبائل من فهر، فكان يدعى في قريش مجمعًا؟ قال أبو بكر:
لا. قال: فمنكم هشام (١) الذي هشم الثريد لقومه، ورجال مكة مسنتون عجاف. قال: لا. قال: فمنكم شيبة الحمد: عبد المطلب (٢) مطعم طير السماء الذي كان وجهه القمر يضىء في الليلة الداجية؟ قال أبو بكر: لا.
قال: فمن أهل الإفاضة (٣) بالناس أنت؟ قال: لا.
قال: فمن أهل الحجابة (٤) أنت؟ قال: لا.
قال: فمن أهل السقاية (٥) أنت؟ قال: لا.
قال: فمن أهل النداوة (٦) أنت؟ قال: لا.
قال: فمن أهل الرفادة (٧) أنت؟ قال: لا.
فاجتذب أبو بكر ﵁ زمام الناقة، راجعًا إلى رسول الله - ﷺ -، فقال الغلام:
صادف در السيل درًا يدفعه يهضبه حينًا وحينًا يصدعه
_________________
(١) كل هولاء أجداد رسول الله - ﷺ -.
(٢) كل هؤلاء أجداد رسول الله - ﷺ -.
(٣) انصراف الحجاج من عرفات.
(٤) حجابة الكعبة.
(٥) السقاية: حياض كانت على عبد قصي توضع بفناء الكعبة. يسقى فيها الماء العذب للجميع.
(٦) دار الندوة التي كانت قريش تقضى فيها أمورها، ولم يكن يدخلها من غير أولاد قصى إلا من بلغ أربعين سنة.
(٧) الرفادة: أموال تخرجها قريش من أموالها في كل عام يصنع منه طعام للحجاج.
[ ١ / ٢٢٧ ]
أما والله لو ثبت لأخبرتك من قريش، فتبسم رسول الله - ﷺ -، فقال علي: يا أبا بكر لقد وقعت من الأعرابي على باقعة. قال أبو بكر:
أجل يا أبا الحسن، ما من طامة، إلا وفوقها طامة، والبلاء موكل بالمنطق.