تفجرت كالشظايا .. في كل مكان .. بين الأودية والشعاب .. بين الجبال والدروب .. تقلب الصخور وتفتح الأبواب وتهز أغصان الأشجار .. وتسأل المسافرين وتستجوب الرعاة .. تتمنى لو تسأل الريح وحبات الرمال .. تبحث عنك يا رسول الله تتمنى لو وقعت في قبضتها ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (١) يقول ابن عباس: (تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق -يريدون النبيﷺ- وقال بعضهم: بل اقتلوه.
وقال بعضهم: بل أخرجوه.
فأطلع الله ﷿ نبيه على ذلك فبات عليٌّ على فراش النبيﷺ- تلك الليلة، وخرج النبيﷺ- حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليًا -يحسبونه النبي -ﷺ-، فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوا عليًا رد الله مكرهم فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري.
_________________
(١) = عبادًا حدثه عن جدته أسماء بنت أبى بكر. وهذا الإسناد صحيح: ابن إسحاق صرح بالسماع من شيخه يحيى بن عباد، وشيخه يحيى ثقة، انظر التقريب (٢/ ٣٥٠) والتهذيب (١١/ ٢٣٤) ووالده: عباد، كان قاضي مكة زمن أبيه، وخليفته إذا حج، وهو تابعي ثقة. انظر التقريب (١/ ٣٩٢) والتهذيب (٥/ ٩٨).
(٢) سورة الأنفال.
[ ١ / ٢٦٠ ]
فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل خلط عليهم، فصعدوا في الجبل فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسيج العنكبوت، فقالوا: لو دخل ها هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه) (١).
وعن غضب قريش يحدثنا حفيد أبي بكر فيقول:
(إن مشركي قريش أجمعوا أمرهم ومكرهم حين ظنوا أن رسول اللهﷺ- خارج، وعلموا أن الله قد جعل له بالمدينة مأوى ومنعة، وبلغهم إسلام الأنصار ومن خرج إليهم من المهاجرين، فأجمعوا أمرهم على أن يأخذوا رسول الله -ﷺ- فإما أن يقتلوه، وإما أن يسجنوه، وإما أن يخرجوه، وإما أن يوثقوه، فأخبره الله ﷿ بمكرهم فقال تعالى ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (٢).
وبلغه ذلك اليوم الذي أتى فيه رسول الله -ﷺ- دار أبي بكر أنهم مبيتوه إذا أمسى على فراشه، وخرج من تحت الليل هو وأبو بكر قِبَل الغار بثور، وهو الغار الذي ذكره الله ﷿ في القرآن، وعمد علي بن أبي طالب فرقد على فراشه، يواري عنه العيون) (٣). وقد وصل المشركون ورسول
_________________
(١) رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرني عثمان الجزري، أن مقسمًا مولى ابن عباس أخبره عن ابن عباس: قال ابن كثير: هذا إسناد حسن، وليس كما قال ﵀، ففي الإسناد: عثمان الجزري، وحديثه حسن بالشواهد فيحتاج إلى شاهد .. وهذا الشاهد جاء عن الحسن البصري مرسلًا ذكره ابن كثير في سيرته (٢/ ٢٣٩)، أما ذكر الحمامتين اللتين باضتا على فم الغار فلم أعثر له على سند قوي.
(٢) سورة الأنفال: الآية٣٠.
(٣) إسناد مرسل ويشهد له ما سبق، ويرفعه إلى درجة الحسن. انظر دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٤٦٥)، وانظر كذلك مغازي عروة للعلامة الأعظمى (١٢٨).
[ ١ / ٢٦١ ]
اللهﷺ - نائم على فراشه وكانوا ينتظرون خروجه .. وللتأكد كانوا يرمونه بالحجارة فلا يتحرك .. ثم أمرﷺ - عليًا أن يرقد في فراشه فكانت هذه القصة التي يرويها ابن عم رسول الله -ﷺ- وابن عم علي ﵃ حيث يقول:
(شرى عليٌّ نفسه، ولبس ثوب النبيﷺ - ثم نام مكانه، وكان المشركون يرمون رسول الله -ﷺ- وقد كان رسول الله -ﷺ- ألبسه بردة، وكانت قريش، تريد أن تقتل النبي ﵌ فجعلوا يرمون عليًا ويرونه النبيﷺ- وقد لبس برده، وجعل علي ﵁ يتضور، -فنظروا- فإذا هو علي فقالوا:
إنك للئيم، إنك لتتضور وكان صاحبك لا يتضور، ولقد استنكرناه منك) (١) (فسألوه عن النبي -ﷺ-، فأخبرهم أنه لا علم له به، فعلموا عند ذلك أنه خرج، فركبوا في كل وجه يطلبونه، وبعثوا إلى أهل المياه يأمرونهم، ويُجعلون لهم الجُعل العظيم (٢). وأتوا على ثور الذي فيه الغار، الذي فيه رسول الله -ﷺ-، وأبو بكر، حتى طلعوا فوقه، وسمع النبيﷺ- أصواتهم، فأشفق (٣) أبو بكر عند ذلك، أقبل على الهم والخوف، فعند ذلك قال له النبيﷺ-:
_________________
(١) سنده حسن. رواه الحاكم (٣/ ٤) وأبو داود الطيالسى وأحمدُ (٢٣/ ١١٨) كلهم من طريق أبي عوانه عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس واسم أبي عوانة: الوضاح وهو ثقة ثبت التقريب (٢/ ٣٣١) وشيخه حسن الحديث فهو صدوق ربما أخطأ وليس هناك من لا يخطىء، التقريب (٢/ ٤٠٢) وهو تابعي صغير، أما عمرو بن ميمون فهو ثقة مخضرم مشهور. التقريب (٢/ ٨٠) وقد مر معنا قبل قليل.
(٢) أي جائزة عظيمة مقابل ذلك.
(٣) أي خاف، ومعروف خوف أبي بكر وأنه على رسول الله -ﷺ- أولًا وأخيرًا كما مر معنا.
[ ١ / ٢٦٢ ]
"لا تحزن إن الله معنا". ودعا، فنزلت عليه سكينة من الله ﷿: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١).
إذًا فقد حامت الأقدام حول فم الغار .. لحظات تحبس الأنفاس وتتقلب فيها القلوب والأبصار .. ويهجم الخوف والرعب من شقوق الغار .. من سيوف الطغاة ومن العيون التي تتطاير إجرامًا وشررًا لكن: