دفع - ﷺ - وأبو بكر ﵁ إلى خيام الأوس والخزرج .. القادمين من حرة يثرب .. فكان لقاء الغرباء بالغرباء .. جدد الدنيا .. وحول التاريخ .. وأعاد إلى الإنسانية مكانتها وقيادتها التي كادت تهلك دونها. (لما لقيهم رسول الله - ﷺ -. قال لهم: ممّن أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج. قال - ﷺ -: "أمن موالي يهود؟ " قالوا: نعم. قال - ﷺ -: "أفلا تجلسون أكلمكم؟ " قالوا: بلى. فجلسوا معه، فدعاهم رسول الله - ﷺ - إلى الله ﷿، وعرض عليهم الإِسلام، وتلا عليهم القرآن، وكان مما صنع الله لهم في الإِسلام أن يهودًا كانوا معهم ببلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانت الأوس والخزرج أهل شرك، وأصحاب أوثان فكانوا إذا كان بينهم شيء، قالت اليهود: إن نبيًا مبعوث الآن قد أظل زمانه، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم (١). فلما كلم رسول الله -ﷺ - أولئك النفر، ودعاهم إلى الله ﷿، قال بعضهم لبعض: يا قوم اعلموا والله أن هذا الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه، فأجابوه لمَّا دعاهم إلى الله ﷿، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإِسلام، وقالوا له: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى الله ﷿ أن يجمعهم الله بك، وسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك.
_________________
(١) أرم: قوم منهم عاد، وقيل: مدينة كبيرة لهم. وهذه العبارة لا تزال موجودة في توراة اليهود حتى اليوم.
[ ١ / ٢٣٢ ]
ثم انصرفوا عن رسول الله - ﷺ - راجعين إلى بلادهم قد آمنوا وصدقوا) (١). ولما وصلوا إلى يثرب .. تسللوا إلى قلوب بعض قومهم .. فاستجابوا لهم وأسلموا .. فصار في تلك الديار من يعبد الله وحده لا شريك له .. ويصلي على رسول الله - ﷺ - .. فلما كان موسم الحج التالي قدمت مطايا يثرب من المشركين تحج مكة .. وكان بين الركب مطايا للموحدين .. وفد يثرب من الأنصار مشوا إلى رسول الله - ﷺ - بعد انقضاء شعائر الحج .. غسلوا أيديهم من دماء الثارات والعنف الجاهلي بماء زمزم الطاهر .. غسلوها ومدوها لرسول الله -ﷺ - طاهرة .. يبايعونه ليلًا .. وعيون مكة نائمة عما يجري على أرض العقبة.