فيجيب فضالة وهو عالم من الشعور والألم فيقول:
(كان رسول الله -ﷺ- إذا صلى بالناس يخر رجال من قامتهم لما بهم من الخصاصية (٢) وهم أصحاب الصفة حتى يقول الأعراب: إن هؤلاء مجانين .. فإذا قضى رسول الله -ﷺ- صلاته انصرف إليهم فيقول:
_________________
(١) حديث صحيح. رواه البخاري (٦٤٥٢).
(٢) الجوع.
[ ٢ / ٣٥ ]
لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أنكم تزدادون حاجة وفاقة (١) .. قال فضالة: فأنا مع رسول الله -ﷺ- يومئذٍ) (٢) حيث كان يواسيهم ويدفع عنهم ما يؤلمهم بشىء يهون معه الجوع .. وتحلو معه المعاناة .. يعزيهم بشيء يحول الموت وما بعده إلى أمنية وحلم لا حدود له .. ومع هذا العزاء .. ومع هذه المواساة كان -ﷺ- يتألم لتألمهم .. ويتألم مثل ألمهم ..
تقول حبيبته عائشة ﵂:
(كان - ﷺ- إذا دخل قال: هل عندكم طعام؟ فإذا قيل: لا .. قال: إني صائم) (٣) لقد تحول الجوع إلى عبادة .. وتحول الشبع إلى عبادة .. قال -ﷺ- مبشرًا إخوانه الموسرين: (الطاعم الشاكر له مثل أجر الصائم الصابر) (٤) ويقول -ﷺ- مندهشًا ومبشرًا:
(عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر وكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له) (٥) (عجبت للمؤمن إن الله تعالى لم يقض له قضاءً إلا كان خيرًا له) (٦) .. يقول -ﷺ- ذلك كله وهو يتمنى لو يدفع عنهم هذا الفقر وهذا الهزال لكنه لا يجد .. كانت تمر به لحظات لا يملك فيها سوى
_________________
(١) الفقر والحاجة.
(٢) سنده صحيح. رواه أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٧) من طريق حيوة وابن وهب: عن ابن هانئ أن أبا علي الجنبي حدثه أنه سمع فضالة بن عبيد وأبو هانئ اسمه حميد بن هانئ الخولاني وهو ثقة (التهذيب ٣/ ٥١) وشيخه ثقة أيضًا واسمه: عمرو بن مالك الهمداني وهو أحد التابعين (التهذيب ٨/ ٩٥).
(٣) حديث صحيح. (صحيح الجامع الصغير ١/ ٨٦٠).
(٤) حديث صحيح. (المصدر السابق ١/ ٧٣١).
(٥) حديث صحيح. (السابق ٢/ ٧٣٧).
(٦) حديث صحيح. (السابق ٢/ ٨٣٨).
[ ٢ / ٣٦ ]
المواساة .. يستمع إلى الشكوى تلو الشكوى في أجواء من الحرية والفاقة .. طلحة بن عمرو أحد أهل الصفة.
يروي لنا حوارًا جرى بعد إحدى الصلوات بين رسول الله -ﷺ- وبين أحد الفقراء .. يقول طلحة:
(كان يجري علينا من رسول الله -ﷺ- كل يوم مدٍ من تمر بين رجلين ..، فسلم -ﷺ- ذات يوم من الصلاة، فناداه رجلٌ منا فقال. يا رسول الله .. قد أحرق التمر بطوننا .. وتخرقت عنا الخنف ..، فمال رسول الله -ﷺ- إلى منبره فصعده ..، فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر ما لقي من قومه .. فقال:
مكثت أنا وصاحبي بضعة عشر ليلة ما لنا طعام إلا البرير، فقدمنا على إخواننا من الأنصار وعظم طعامهم التمر، فواسونا فيه .. فوالله لو أجد لكم الخبز واللحم لأطعمتكم .. ولكن تدركون زمانًا -أو من أدركهم منكم- تلبسون فيه مثل أستار الكعبة، ويغدى (١) عليكم ويراح (٢) بالجفان) (٣) فرح أهل الصفة بهذا الوعد الصادق .. وتأثروا لما حدث لرسول الله -ﷺ- وصاحبه من أذى ومعاناة حيث يمر معظم الشهر ليس عندهما ما يأكلانه سوى ثمر الأراك .. ما تعرض له أهل الصفة شديد .. ولكن ما تعرض له رسول الله -ﷺ- وصاحبه كان أقسى وأشد .. وينصرف أهل الصفة إلى صفتهم .. وقد طواهم الجوع والرضى .. والاحتساب وانتظار الفرج .. ولم يكن -ﷺ- يواسيهم بالماضي أو بالمستقبل
_________________
(١) يقدم لكم في الصباح.
(٢) يقدم لكم في المساء.
(٣) سنده صحيح. رواه أبو نعيم (١/ ٣٧٤) من طريقين: عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب ابن أبى الأسود الدؤلي عن طلحة بن عمرو ورواه أحمد كذلك من الطريق نفسه وقد مر معنا تخريجه.
[ ٢ / ٣٧ ]
فقط .. بل كان إذا اشتدت حاجتهم يتحرك ويحرك المدينة كلها من حولهم .. يقول أحد أبناء أبي بكر الصديق:
(إن أصحاب الصفة كانوا أناسًا فقراء، وإن رسول الله -ﷺ- قال:
"من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث .. ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس" .. بسادس .. وأن أبا بكر جاء بثلاثة .. وانطلق النبي -ﷺ- بعشرة) (١).
مأساة هم أهل الصفة وارتحال وقصص باكية .. تنصت لها الأجيال بإجلال .. هذا أحدهم: قرة بن إياس يقص لابنه ما جرى لهم مع رسول الله -ﷺ- وكان اسم ابنه معاوية .. معاوية ينصت لأبيه وهو يقول:
(لقد عمرنا مع رسول الله -ﷺ- وما لنا طعام إلا الأسودان .. ثم هل تدري ما الأسودان؟ قال معاوية: قلت: لا .. قال: التمر والماء) (٢) هذا هو الطعام وهذا هو الشراب فما هي: