المدينة في تلك اللحظات كانت تتبختر بالمشاعر .. تتزين بالإسلام كانت مدينة منورة بلقاء الحبيب الذي طال الشوق إليه .. أحقًا رسول الله -ﷺ- في المدينة .. يمشي في شوارعها وتصافحه قلوبها وأرواحها .. لحظات يتمنى كل مسلم أن يعيشها .. وأن يسكب في حضرتها شيئًا من الدموع ..
لقد كان الموكب يتحرك ببطء فطريقه مزدحم بالقلوب والدموع .. وابتسامات الأطفال والتفاتاتهم البريئة السعيدة .. أبو بكر كان أسعد الناس وأحظى الناس بعد رسول الله -ﷺ- بهذا الحب والاحتفال .. يحدثنا فيقول:
(ومضى رسول الله -ﷺ- وأنا معه حتى قدمنا المدينة وتلقاه الناس فخرجوا في الطرق وعلى الأناجير (٣)، واشتد الخدم والصبيان في الطريق يقولون:
الله أكبر جاء رسول الله .. جاء محمد) (٤).
_________________
(١) = (التهذيب ١١/ ١٨) وسليمان بن المغيرة ثقة وثابت البناني تابعي ثقة. والحديث صححه الذهبي في سيرته (٣٣٣).
(٢) سنده صحيح. رواه البيهقي (٢/ ٥٠٨) وأحمدُ (٣/ ٢٤٠) واللفظ للبيهقي من طريق حماد عن ثابت عن أنس.
(٣) حديث صحيح. انظر صحيح ابن ماجة (١/ ٢٧٣) للإمام الألباني.
(٤) السطوح.
(٥) حديث صحيح. متفق عليه ورواه أحمد واللفظ له.
[ ١ / ٢٨٧ ]
(جاء رسول الله .. جاء رسول الله ..
الله أكبر جاء محمد .. الله أكبر جاء محمد) (١) .. أحد المبتهجين يتحدث .. البراء بن عازب طفل من الأنصار يقول: (جاء رسول الله -ﷺ- فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء قط فرحهم به .. حتى رأيت الولائد (٢) والصبيان يسعون في الطرق يقولون: جاء رسول الله) (٣).
وعبر الصحابة القادمون من أرض النجاشي عن فرحهم بمحمد - ﷺ - أسلوب مميز .. أنس بن مالك ذلك الطفل السعيد .. طاف المدينة وطاف حول الموكب .. وشاهد فرح أهلها .. ووصف فرح الصحابة من أهل الحبشة فقال: (لما قدم رسول الله -ﷺ- لعبت الحبشة بحرابهم فرحًا بقدومه) (٤) ولم يكن الرقص هو الأسلوب الوحيد في التعبير كان هناك الغناء بمحمد - ﷺ - وبجوار محمد ..
الغناء والدفوف والمشاعر شاهدها -ﷺ- فماذا فعل وماذا قالﷺ- لتلك الفتيات .. أنس بن مالك أيضًا يحدثنا عن ذلك فيقول: (مر رسول الله -ﷺ- بحي من بني النجار وإذا جوارٍ يضربن بالدفوف [ويتغنين ويقلن]:
_________________
(١) جزء من رواية البخاري ومسلم.
(٢) أي البنات.
(٣) حديث صحيح رواه البخاري.
(٤) صحح إسناده الإمام الألباني في صحيح السنن (٣/ ٩٣٠) ورواه أحمد في مسنده (الفتح الرباني ٢٠/ ٢٩٠) من طريق عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ثابت عن أنس وهذا السند رجاله ثقات لكن فيه ضعفًا لأن رواية معمر عن ثابت ضعيفة كما قال ابن معين: معمر عن ثابت ضعيف، وقال مرة: إذا حدثك معمر عن العراقيين فخالفه إلا عن الزهري وابن طاوس .. فأما أهل الكوفة وأهل البصرة فلا وقال مرة: حديث معمر عن ثابت وعاصم وهشام وهذا الضرب مضطرب كثير الأوهام. فإن لم يكن لدى الشيخ ناصر طريق أخرى فهو ضعيف.
[ ١ / ٢٨٨ ]
نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار
فقال النبي - ﷺ -: "الله يعلم أن قلبي يحبكن") (١) يا لهذا النبي ما أعظمه .. وما أبسطه وما أرق مشاعره .. التي يعلنها للصغير وللكبير في البيوت وعلى الطرقات .. بل إنه يعلن حبه حتى على الجبال القاسية من حوله .. يمرﷺ - من عند جبل أُحد بالمدينة فيقول: (هذا جبل يحبنا ونحبه) (٢) نبي الله يحب المدينة وأهلها .. والمدينة وأهلها .. أشجارها وجبالها يحبون الله ورسوله .. الكرم يسيل .. والدماء تسيل فرحًا به - ﷺ - يقول أحدهم: (لما قدم - ﷺ - المدينة نحرتُ جزورًا) (٣).
ويواصل موكب الحب مسيره في شوارع المدينة وسط مهرجان من السعادة .. زحامٌ من البهجة يحيط برسول الله - ﷺ - .. اشتد الزحام (فصعد الرجال والنساء فوق البيوت، وتفرق الغلمان والخدم في الطرقات ينادون:
يا محمد .. يا رسول الله .. يا محمد .. يا رسول الله) (٤).
في المدينة كانت القلوب بيوتًا .. وكانت البيوت قلوبًا .. كانت الأيدي تمتد إلى الزمام .. والعيون البراقة شاخصة تحتضنه وتعانقه .. تحاول الارتواء منه فتزداد عطشًا ولهفةً .. وتواصل الركض والنداء حتى ..
_________________
(١) سنده صحيح. رواه البيهقي (٢/ ٥٠٨) وابن ماجة (الصحيح ١/ ٣٢٠) واللفظ للبيهقي عدا ما بين المعقوفتين فلابن ماجة وسنده هو: عيسى بن يونس، عن عوف الأعرابي، عن ثمامة عن أنس .. وعيسى ثقة. انظر التقريب (٢/ ١٠٣) وعوف بن أبي جميلة ثقة أيضًا. التقريب (٢/ ٨٩) وثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك تابعي ثقة روى عن جده.
(٢) حديث رواه البخاري (٢٨٨٩).
(٣) سنده صحيح. رواه أحمد (الفتح الرباني ٢٠/ ٢٩١) حدثنا وكيع، حدثنا شعبة عن محارب ابن دثار عن جابر وهذا سند كالذهب كله أئمة ثقات لا يسأل عنهم وهو متصل.
(٤) حديث صحيح. رواه مسلم (كتاب الزهد- حديث الهجرة).
[ ١ / ٢٨٩ ]