فقد التفت -ﷺ - إلى منبره يومًا فقال: "إن قوائم منبري هذا رواتب في الجنة" (٢).
وأما ما بين المنبر وبيت رسول الله -ﷺ - فمساحة من الربيع الخالد .. والفيض الغامر الواعد بالنعيم .. فقد قال -ﷺ -: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" (٣).
أما المسجد فقد اكتمل بناؤه .. واكتمل العقد بجوهرة ثالثة تزين صدر السفر.، محطة ثالثة لقوافل المؤمنين بناها -ﷺ - في المدينة .. يزيلون فيها
_________________
(١) حديث صحيح. رواه البخاري ومسلمٌ والبيهقيُّ (٢/ ٥٥٥).
(٢) حديث صحيح. انظر صحيح النسائي (١/ ١٥٠) والبيهقيُّ (٢/ ٥٦٤).
(٣) حديث صحيح. رواه البخاري ومسلمٌ (١١٩٥).
[ ١ / ٣١٢ ]
العناء والذنوب وينهلون الربيع والثواب "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مسجدي هذا .. والمسجد الحرام .. ومسجد بيت المقدس" (١) لا تشد الرحال من أجل العبادة إلى أي مسجد في الدنيا إلا إلى هذه المساجد الثلاثة .. فمن أتعب مطاياه إلى غيرها فقد أتعبته البدعة والشيطان .. والإِسلام نبع صافٍ ورقراق .. والبدعة تلوثه .. والشيطان يلوث قلوب أصحابها .. لكن لماذا هذه المساجد فقط هي مناخ المرتحل ومستراحه؟ الإجابة لا تأتي من الهواء .. لا تأتي من الهوى .. الإجابة تتنزل وحيًا.
تتزل أجرًا عندما قال -ﷺ -: (صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه" (٢).
فهم الصحابة ذلك وأدركوا أن السفر من أجل العبادة والصلاة لا يجوز مهما كان ذلك المكان المنشود مقدسًا .. إلا إلى هذه المساجد الثلاثة .. حتى ولو كان هذا المكان جبل الطور الذي كلم الله فيه موسى تكليمًا .. وأنزل عليه فيه التوراة .. وهذه القصة حدثت بين صحابيين تشهد بتفاني الصحابة من أجل بقاء الإِسلام جديدًا دون تشويه .. دون بدع .. (لقد لقي أبو بصرة الغفاري أبا هريرة وهو جاء من الطور، فقال: من أين أقبلت؟ قال: من الطور .. صليت فيه، قال أبو بصرة: أما لو أدركتك قبل أن ترحل إليه ما رحلت إني سمعت رسول الله -ﷺ - يقول: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد
_________________
(١) حديث صحيح. متفق عليه.
(٢) حديث صحيح انظر صحيح الجامع (٢/ ٧١٤).
[ ١ / ٣١٣ ]
الأقصى") (١) وبهذه التصفية والتربية يبقى الإِسلام جديدًا .. دون شوائب .. دون بدع .. كما أنزل على محمَّد -ﷺ -.
إذًا فقد سعدت المدينة باحتضانها لمسجد يؤسسه رسول الله -ﷺ - على التقوى كما سعدت مكة من قبل بتأسيس إبراهيم وإسماعيل ﵉ لبيت الله الحرام ..
وبنى -ﷺ - له بيتًا ملاصقًا للمسجد عبارة عن حجرات صغيرة فسودة قادمة قريبًا من مكة .. أما عائشة فربما كانت مع هذا الركب الذي يلوح بين السراب .. وفيه امرأة حامل .. امرأة عظيمة كانت تحمل المسؤوليات والطعام إلى رسول الله -ﷺ - .. كانت تقطع حزامًا لها نصفين ليستخدمه -ﷺ - في هجرته إلى المدينة فيربط زاده وما يحتاجه .. إنها ذات التاريخ الأبيض .. ذات النطاقين .. أسماء بنت الصديق الأكبر .. والصاحب الأبر .. (هاجرت إلى النبي -ﷺ - وهي حبلى) (٢) .. لم تبال بثقل حملها فمدينة الأنوار والحب تنتظرها .. وهي لا تستطيع مقاومة ذلك الحب فيها .. أما ذلك الجنين في بطنها فكان على موعد مع السبق والشرف ليكون أولًا في سجلات الهجرة والإِسلام.
أسماء الآن في طريقها إلى المدينة .. هي الآن في قباء قد أثقلها الحمل والتعب .. لا تستطيع المشى .. لا تستطيع الوصول إلى المدينة فآلام الولادة شديدة .. إنها المرة الأولى التي تعاني فيها من هذه الآلام .. فبقيت في قباء حتى تمت ولادتها بسلام وطفلٍ كالورد تحدثنا عنه فتقول: (خرجت وأنا متم .. فأتيت المدينة فنزلت بقباء .. فولدته بقباء .. ثم أتيت به رسول الله -ﷺ - فوضعه في حجره، ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه .. فكان أول شيء
_________________
(١) حديث صحيح انظر إرواء الغليل (٤/ ١٤٢) وقول النبي - ﷺ - عند البخاري ومسلمٌ.
(٢) حديث صحيح. رواه البخاري (٣٩٠٩).
[ ١ / ٣١٤ ]
دخل جوفه ريق رسول الله -ﷺ -، ثم حنكه بتمرة .. ثم دعا له وبرك عليه، فكان أول مولود في الإِسلام) (١).
هذا الطفل هو عبد الله بن الزبير بن العوام .. أمه أسماء وجده أبو بكر أما خالته عائشة .. فبعد وصولها عانت من مرض تساقط منه شعرها تقول ﵂: (قدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن خزرج، فوعكت فتمزق شعري فوفى جميمة) (٢) أي أنها شفيت فعاد شعرها جميمة وهو الشعر إذا سقط على المنكبين .. فرحت عائشة بجميمتها وهي