فلن يمكِّن الله عباده من كل أرضه ما لم يقوموا بتحويلها ومن عليها إلى حركة تلهج بـ لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. محمَّد رسول الله وخاتم النبيين .. حتى تتسق وتتناغم مع حركة الكون كله والوجود كله المسبح بحمد ربه ليل نهار ..
حمل الصحابة تلك البشرى وحملوا شروطها فحولت ضعفهم قوةً .. وخوفهم أمنًا ..
ها هو سعد بن معاذ يتجه إلى مكة الطاهرة .. كالتحدي يتفجر بين أصنام قريش وسيوفها .. ثقةً يتحدى .. وثقةً يهدد .. فيتحول صناديد قريش حوله إلى خراف ترتجف خوفًا وتتصبب عرقًا:
(انطلق سعد بن معاذ معتمرًا .. فنزل على أمية بن خلف -أبي
_________________
(١) المصدر السابق.
[ ٢ / ١٨ ]
صفوان- وكان أمية إذا انطلق إلى الشام فمر بالمدينة نزل على سعد .. فقال أمية لسعد: ألا انتظر، حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس انطلقت فطفت .. فبينا سعد يطوف إذا أبو جهل .. فقال:
من هذا الذي يطوف بالكعبة؟ .. فقال سعد: أنا سعد .. فقال أبو جهل: تطوف بالكعبة وقد آويتم محمدًا وأصحابه؟ فقال: نعم ..
فتلاحيا بينهما .. فقال أمية لسعد:
لا ترفع صوتك على أبي الحكم .. فإنه سيد أهل الوادي .. ثم قال سعد: والله لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعن متجرك بالشام (١) .. فجعل أمية يقول لسعد:
لا ترفع صوتك -وجعل يمسكه- فغضب سعد فقال:
دعنا عنك فإني سمعت محمَّد -ﷺ- يزعم أنه قاتلك .. قال: إياي؟ قال: نعم .. قال والله ما يكذب محمَّد إذا حدث ..) (٢) لكن ماذا فعل بعد أن بشره سعد بالقتل .. يحدثنا سعد صاحب البشرى فيقول إنه قد (قال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة آمنًا وقد آويتم الصبأة (٣) وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم .. أما والله لولا أنك مع أبي صفوان (٤) ما رجعت إلى أهلك سالمًا .. فقال له سعد -ورفع صوته عليه- أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه: طريقك على المدينة .. فقال له أمية:
لا ترفع صوتك يا سعد على أبي الحكم -سيد أهل الوادي .. فقال
_________________
(١) طريق تجارة قريش إلى الشام وهو يمر بالمدينة أو قربها.
(٢) حديث صحيح. رواه البخاري (٣٦٣٢).
(٣) يقصد المهاجرين الذين تركوا دين آبائهم وأجدادهم.
(٤) أبو صفوان هو أمية بن خلف.
[ ٢ / ١٩ ]
سعد:
دعنا عنك يا أمية .. فوالله لقد سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "إنهم قاتلوك .. " قال: بمكة؟ قال: لا أدري ..
ففزع لذلك أمية فزعًا شديدًا .. فلما رجع أمية إلى أهله قال: يا أم صفوان .. ألم تري ما قاله لي سعد؟ قالت:
وما قال لك؟ .. قال: زعم أن محمدًا أخبرهم أنهم قاتلي .. فقلت له: بمكة؟ قال: لا أدري .. فقال أمية والله لا أخرج من مكة) (١).
لقد شلت كلمات سعد الواثقة بالله وبرسوله -ﷺ- .. شلت هذا الطاغية فأمسى لا يرى سوى الموت يتربص له من منافذ مكة .. لقد جعل خوفه الأرض .. كل الأرض قبرًا يحاصره ويحاصر مكة معه ..
أما سعد بن معاذ فعاد إلى حبيبه -ﷺ- وهو أكثر قوة ويقينًا .. عاد ليجد المدينة غير المدينة .. عاد لينقل ما رآه وما سمعه من خوف يملأ طغاة مكة عندما هددهم بقطع طرق قوافلهم إلى الشام وهي شرايينهم وأوردتهم .. أما رسول الله -ﷺ- فكان أسبق من سعد إلى هذا التفكير .. لقد قرر -ﷺ- أن يجعل للمدينة قوتها إلتى تُشعر الآخرين بمنعتها .. وتشعر قريشًا خاصة .. أن هذا الدين الجديد صار خطرًا يهدد شركها وقوافلها .. بل وسلطتها ومكانتها بين العرب ..
وبدأ -ﷺ- رحلته إلى الأرض كلها .. بدأ بـ