يقول سلمة بن سلام بن وقش:
(كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل .. فخرج علينا يومًا من بيته حتى وقف علي بني عبد الأشهل -وأنا يومئذ أحدث من فيه سنًا علىَّ فروة لي مضطجع فيها بفناء أهلي (١) - فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار .. فقال ذلك لقوم أهل شرك، أصحاب أوثان، لا يرون أن بعثًا كائن بعد الموت، فقالوا له: ويحك يا فلان .. أوترى هذا كائنًا، أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم؟
_________________
(١) = وهو جد عبد الله بن أبي بكر واسمه محمد بن عمرو بن حزم وله رؤية وليس له سماع إلا من الصحابة (التقريب٢/ ١٩٥) وحفيده تابعي صغير وثقة من رجال الشيخين (١/ ٤٠٥ التقريب) وله شاهد عن الزهري عند البيهقي (٢/ ٥٣٢).
(٢) المتكلم هو سلمة بن سلام.
[ ١ / ٢٩٤ ]
قال: نعم .. والذي يحلف به، [لوددت أن حظي من تلك النار أن توقدوا أعظم تنور في داركم فتحمونه، ثم تقذفوني فيه ثم تطينون علي، وأني أنجو من النار غدًا (١)] (٢).
قالوا: ويحك يا فلان فما آية ذلك؟
قال: نبيٌ مبعوث من نحو هذه البلاد. وأشار بيده إلى نحو مكة واليمن.
قالوا: متى تراه؟
فنظر إليَّ وأنا أحدثهم سنًا، فقال: إن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه.
قال سلمة: فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله - ﷺ - وهو حي بين أظهرنا (٣)، فآمنا به وكفر به بغيًا وحسدًا.
فقلنا: ويحك يا فلان .. ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال: بلى ولكن ليس به [وكان يقال له يوشع] (٤).
ويقول محمد بن سلمة ﵁:
(لم يكن في بني عبد الأشهل إلا يهودي واحد يقال له "يوشع" فسمعته - وإني لغلام في إزار يقول:
_________________
(١) أي من شدة نار جهنم أعاذنا الله منها يتمنى أن يوضع في أعظم فرن في الدنيا ثم يطبق عليه ويحرق فيه أهون عليه من دخول نار جهنم.
(٢) ما بين المعقوفين لفظ البيهقي.
(٣) أي أن هذا اليهودي حي يرزق عند دخول رسول الله -ﷺ- المدينة.
(٤) سنده صحيح. رواه ابن إسحاق ومن طريقه البيهقي (٢/ ٧٨) حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن سلمة بن سلام ﵁: وشيخ ابن إسحاق تابعي صغير وثقة عن رجال الشيخين (التقريب ١/ ٣٥٨) ويشهد له ما بعده.
[ ١ / ٢٩٥ ]
قد أظلكم خروج نبي يبعث من نحو هذا البيت، ثم أشار بيده إلى "بيت الله" فمن أدركه فليصدقه .. فبعث رسول الله -ﷺ- فأسلمنا وهو بين أظهرنا لم يسلم حسدًا وبغيًا) (١) ولم يقتصروا على ذلك بل أنكروا أن يكون هو النبي المنتظر. وطمسوا أسماءه المكتوبة في التوراة .. لكن تبقى فيها عبارات قوية لا تنطبق إلا عليه مثل هذه العبارة الموجودة حتى الآن في التوراة المحرفة .. تقول التوراة:
(وحي يأتي من بلاد العرب .. في الوعر في بلاد العرب .. قابلوا الهارب بخبره فهو قد هرب من السيوف والأقواس وشدة الاضطهاد .. ويقول الرب أنه خلال سنة سوف يتحطم مجد عدنان جد العرب .. وسوف يتلاشى بقية أبطال أبناء عدنان) (٢) .. لقد ظن اليهود أن هذا النبي القادم من أرض العرب الوعرة الشديدة الوعورة -وهي مكة- .. ظنوا أنه سوف يفني أبناء عدنان وهم العرب على أيدي اليهود .. ولكن عندما تبين أن هذا النبي من أبناء عدنان العربي حسدوه .. لكن لماذا يحسدونه؟ السبب موجود في هذه القصة التي تروي انتقال النبوة من أبناء يعقوب -وهو إسرائيل- جد اليهود إلى أبناء عدنان -واسمه في التوراة: قيدار- وهو جد العرب فكيف انتقلت النبوة ..