تقول عائشة: "فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله - ﷺ - .. وليبعثنه الله .. فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم .. فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله - ﷺ - فقبله قال: بأبي أنت وأمي طبت حيًا وميتًا .. والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدًا .. ثم خرج فقال: أيها الحالف على رسلك [خرج وعمر ﵁ يكلم الناس فقال: اجلس .. فأبى ..
_________________
(١) صحيح البخاري ٤ - ١٦١٨.
[ ٤ / ٣٠١ ]
فقال: اجلس .. فأبى .. فتشهد أبو بكر ﵁ .. فمال إليه الناس وتركوا عمر] (١) فلما تكلم أبو بكر جلس عمر فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه وقال ألا من كان يعبد محمدًا - ﷺ - فإن محمدًا قد مات .. ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت .. وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ فنشج الناس يبكون" (٢) بكاء المفجوع الذي أدرك الحقيقة وأفاق مما هو فيه من صدمة .. كان ابن عباس هناك وقد وصف حال الصحابة بعد خطبة أبي بكر فقال: "والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر فتلقاها من الناس كلهم فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها" (٣) كان أبو بكر ﵁ رجل المهمات الصعبة والأزمات .. أعاد الأمة إلى صوابها وقال لها في غياب نبيها المفجع: إن هذا النبي الحبيب مازال بشرًا .. وأن الغلو فيه ليس من صفات المؤمنين .. فلم يبق سوى الصلاة عليه واتباع رسالته والمشي على خطاه .. وما عدا ذلك فهو من الغلو الذي قال عنه النبي - ﷺ - وهو حي: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله" (٤)
أما عمر ﵁ فكان أكثر المتأثرين بتلك الآيات وبخطبة أبي بكر لدرجة أنه سقط على الأرض من شدة التأثر ..
يقول ﵁: "والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها
_________________
(١) صحيح البخاري ١ - ٤١٩.
(٢) صحيح البخاري ٣ - ١٣٤١.
(٣) صحيح البخاري ج: ٤ ص: ١٦١٨.
(٤) صحيح البخاري ٣ - ١٢٧١.
[ ٤ / ٣٠٢ ]
فعقرت حتى ما تقلني رجلاي وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها علمت أن النبي - ﷺ - قد مات" (١)
كانت تلك اللحظات شديدة الدقة والخطورة فقد فارق النبي - ﷺ - الدنيا وهي مصيبة ما بعدها مصيبة .. كما كان هناك أيضًا الفراغ الرهيب الذي تركه من بعده حيث إن الأمة اليوم دون قائد يرأسها .. وهذا الفراغ يكون أكثر خطورة على الأمة إذا كان الراحل قائدًا عظيمًا .. فكيف إذا كان الراحل اليوم ليس مجرد قائد عظيم فحسب بل نبي يأتيه الوحي من السماء وتحمله الأمة كلها في قلوبها ..
شعر بعض رجالات الأنصار بهذا الفراغ فرشحوا سعد بن عبادة لخلافة النبي - ﷺ - .. بينما توجه علي بن أبي طالب والزبير بن العوام حزينين إلى بيت فاطمة في الوقت الذي كان فيه أبو بكر مشغولًا بالأمة والأمة مشغولة بحزنها على نبيها .. لكن أبا بكر يتجدد عظمة في مثل هذه الظروف الحرجة .. فقد انطلق إلى حيث أخوانه الأنصار المجتمعن بعد أن سمع باجتماعهم خشية أن تفترق الأمة بعد توحيدها .. أو أن تقع فتنة بين الأنصار والمهاجرين الذين التفوا حول أبي بكر ﵃ جميعًا .. ولما وصل أبو بكر وجدهم قد التفوا حول رجل مريض وقد غطوه .. كان ذلك الرجل هو الصحابي الجليل سعد بن عبادة وهم يريدون مبايعته بالخلافة .. لكن عمر بن الخطاب كان له رأي آخر في ذلك المكان الذي اجتمع فيه الأنصار والمهاجرون والمسمى بـ:
_________________
(١) صحيح البخاري ٤ - ١٦١٨.
[ ٤ / ٣٠٣ ]