للنبي - ﷺ - في حوار جرى بين عمر ﵁ وبين أشياخ بدر بحضور ابن عباس الذي يقول إن عمر قال: "ما تقولون في ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢)﴾ حتى ختم السورة فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا .. وقال بعضهم: لا ندري أو لم يقل بعضهم شيئًا فقال لي: يا بن عباس أكذاك تقول؟ قلت: لا. قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله - ﷺ - أعلمه الله له إذا جاء نصر الله والفتح فتح مكة فذاك علامة أجلك فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم" (١).
إذًا فقد اقترب أجله ﵇ ولذلك راجع معه جبريل القرآن مرتين هذا العام .. ومع شعور النبي - ﷺ - بذلك إلا أنه لم يكن ليغفل عن أمر دعوته حتى في آخر ساعاته لينشغل بنفسه .. لقد كان ينظر إلى ما بعد الموت فالموت مرحلة لا أكثر في حياة المسلم .. لقد استدعى - ﷺ - أسامة بن زيد وأمره على جيش وأمره بالتوجه نحو الشام .. ولما أحس من بعض الرجال نوعًا من التبرم بإمارة أسامة الأسمر: "فقالوا فيه فقال النبي - ﷺ -: قد بلغني أنكم قلتم في أسامة وإنه أحب الناس إلي" (٢) "إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبله .. وأيم الله إن كان لخليقًا للإمرة .. وإن كان لمن أحب الناس إلي .. وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده" (٣) كان وداعًا لأسامة وللدنيا واقتراب الوداع مرير فهل ستحتمله القلوب ..
_________________
(١) صحيح البخاري ٤ - ١٥٦٣.
(٢) صحيح البخاري ٤ - ١٦٢٠.
(٣) صحيح البخاري ٦ - ٢٦٢٨.
[ ٤ / ٢٨٣ ]
هل سيقوى عليه قلب فاطمة وعائشة وبقية أمهات المؤمنين .. ذات يوم كانت عائشة تشتكى رأسها فقالت: "وارأساه فقال رسول الله - ﷺ -: ذاك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك .. فقالت عائشة: واثكلياه والله إني لأظنك تحب موتي ولو كان ذاك لظللت آخر يومك معرسًا ببعض أزواجك .. فقال النبي - ﷺ -: بل أنا وارأساه لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه فأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون" (١) "ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتابًا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" (٢) كانت كلمات كالوداع فقد مرض بعدها النبي - ﷺ - مرضًا شديدًا أقعده وأثقل حركته حتى عن التنقل بين أبيات زوجاته وذلك بعد عودته من دفن بعض أصحابه ﵃ .. تقول عائشة ﵂: "رجع رسول الله - ﷺمن البقيع فوجدني وأنا أجد صداعًا في رأسى وأنا أقول: وارأساه قال: بل أنا والله يا عائشة .. وارأساه ثم قال: ما ضرك لو مت قبلي فقمت عليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك؟ فقلت: والله لكأني بك لو فعلت ذلك رجعت إلى بيتي فأعرست ببعض نسائك فتبسم رسول الله - ﷺ - وتنام به وجعه وهو يدور على نسائه حتى استعز به وهو في ميمونة فدعا نساءه فاستأذنهن أن يمرض في بيتي .. فأذِنَّ له فخرج رسول الله - ﷺ - بين رجلين من أهله أحدهما الفضل بن العباس ورجل آخر (٣) تخط قدماه الأرض عاصبًا رأسه حتى دخل بيتي" (٤) كان مشهدًا
_________________
(١) صحيح البخاري ٦ - ٢٦٣٨.
(٢) صحيح مسلم ٤ - ١٨٥٧.
(٣) هو علي بن أبي طالب ﵁.
(٤) سنده صحيح رواه ابن إسحاق ومن طريقه الطبري ٢ - ٢٢٦ - ٢٢٩ واللفظ له والبيهقيُّ في الدلائل ٧ - ١٦٩: حدثني يعقوب بن عتبة عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري عن =
[ ٤ / ٢٨٤ ]
يدمي القلب لمن رآه .. نبي الله لا يستطيع السير لوحده وهو الذي كان يقود الجموع قبل أشهر إلى تبوك ومكة .. ها هي قدماه تخطان على الأرض خطوطًا وآثارًا كآثار المسافرين المغادرين بالقلوب والأرواح .. حيث نزل عليه الوحي في تلك الأيام يخبره أن الله يخيره بين لقائه أو البقاء حيًا .. "ثم غمر رسول الله - ﷺ - واشتد به الوجع فقال: أهريقوا علي من سبع قرب من آبار شتى حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم .. قالت: فأقعدنا في مخضب لحفصة بنت عمر ثم صببنا عليه الماء حتى طفق يقول: حسبكم حسبكم" (١) لقد "قال بعد ما دخل بيته واشتد وجعه: هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لَعَلِّي أعهد إلى الناس .. وأُجْلِسَ في مخضب لحفصة زوج النبي - ﷺ - ثم طفقنا نصب عليه تلك حتى طفق يشير إلينا أن قد فعلتن ثم خرج إلى الناس" (٢) "فصلى بهم وخطبهم" (٣) ليخبرهم بجوابه لوحي الله ويبدو أن هذه الخطبة التي ارتجلها يوم الأربعاء ستكون:
_________________
(١) = عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة زوج النبي - ﷺ - .. ويعقوب ثقة من رجال التقريب ٢ - ٣٧٦ والزهري رأس طبقته وشيخه تابعي ثقة فقيه ثبت من رجال الشيخين انظر التقريب ١ - ٥٣٥ ..
(٢) سنده صحيح رواه ابن إسحاق ومن طريقه الطبري ٢ - ٢٢٦ - ٢٢٩ واللفظ له والبيهقيُّ في الدلائل ٧ - ١٦٩: حدثني يعقوب بن عتبة عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة زوج النبي - ﷺ - .. ويعقوب ثقة من رجال التقريب ٢ - ٣٧٦ والزهري رأس طبقته وشيخه تابعي ثقة فقيه ثبت من رجال الشيخين انظر التقريب ١ - ٥٣٥ ..
(٣) صحيح البخاري ١ - ٨٣.
(٤) صحيح البخاري ٤ - ١٦١٤.
[ ٤ / ٢٨٥ ]