تقول ﵂: (رأيت كأن في بيتي عضوًا من أعضاء رسول الله - ﷺ -، فجزعت من ذلك فأتيت رسول الله - ﷺ -، فذكرت له ذلك. فقال - ﷺ -: خيرًا .. تلد فاطمة غلامًا، فتكفلينه بلبن ابنك قثم. قالت ﵂:
فولدت حسنًا فأعطيته، فأرضعته حتى تحرك أو فطمته، ثم جئت به إلى الرسول - ﷺ -، فأجلسته في حجره فبال، فضربت بين كتفيه. فقال - ﷺ -:
ارفقي بابني رحمك الله -أو أصلحك الله- أوجعت ابني. قلت: يا رسول الله اخلع إزارك والبس ثوبا غيره حتى أغسله. قال - ﷺ -:
_________________
(١) حديث صحيح روواه أبو داود (١/ ٢٨) عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس، والنسائيُّ عن حسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه (٧/ ١٦٤) والحاكم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (٤/ ٢٦٥) وأبو يعلى عن أبي الزبير عن جابر (٥/ ٣٢٣) وعن جرير عن قتادة عن أنس (٣/ ٤٤١) وغيرهم.
(٢) حديث صحيح عند الحاكم وأبي يعلى.
(٣) صحيح الجامع (٢/ ٧٥٩).
[ ٢ / ٢٧٧ ]
إنما يغسل بول الجارية، وينضح بول الغلام) (١)، يرشّ بول الصبي إلَّا إذا صار يأكل الطعام، عند ذلك يغسل بوله .. والحسن ما زال رضيعًا .. ينعم بقلب جده - ﷺ - وقبلاته وأحضانه .. يقول أحد الصحابة ﵁: (رأيت رسول الله - ﷺ - يمصّ لسانه أو شفته -يعني الحسن بن علي صلوات لله عليه- وإنه لن يعذب لسان أو شفتان مصّهما رسول الله - ﷺ -) (٢).
ذلك الطفل البريء .. ذلك البرد الطهور .. الحسن بن علي ﵁ ملأ قلب النبي - ﷺ - وملكه .. تمرّ الأيام فيكبر .. ويزداد شبهه بالنبي - ﷺ - .. فيقول أنس بن مالك ﵁: لم يكن أحد أشبه بالنبي - ﷺ - من الحسن بن علي) (٣) .. يكبر الحسن ويكبر حبّه بين حناياه - ﷺ - .. فيقول البراء ﵁: (رأيت النبي - ﷺ - والحسن بن علي على عاتقه يقول: اللهمّ إني أحبه فأحبه) (٤)، ويبدأ الحسن يلثغ بالكلمات .. يتعثّر في نطقها .. يقلّبها .. يعبث لسانه الصغير بأحرفها فيزداد حسنًا وبهاءً .. ويبدأ الخطو واللعب ويخرج إلى الطريق ليلعب مع الأطفال .. فيراه والده وأبو بكر ﵄ وهما يمشيان .. فيسرع إليه أبو بكر ويأخذه من فوق
_________________
(١) سنده حسن وهو حديث أم الفضل السابق.
(٢) سنده صحيح رواه أحمد (٤/ ٩٣) حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا حريز عن عبد الرحمن ابن أبي عوف الجرشي عن معاوية: هاشم بن القاسم ثقة ثبت -التقريب (٢/ ٣١٤) وحريز أوثق منه التقريب (١/ ١٥٩) والتهذيب (٢/ ٢٣٧) وعبد الرحمن بن أبي عوف تابعي كبير ثقة- التقريب (١/ ٤٩٤) .. ولك أن تتصور مدى الأمانة العلمية لدى رجال هذا السند رغم سلوكيات بعضهم تجاه علي ﵁ .. فمعاوية حاربه .. وحريز ناصبي ومع ذلك يأبى عليهم إيمانهم وصدقهم أن يخفوا مثل هذا الخبر .. وهي شهادة لعلم الجرح والتعديل الإسلامي ونقاده ﵏- في التوثيق والجرح ومدى دقتهم في ذلك.
(٣) حديث صحيح رواه البخاري (٣٧٥٢).
(٤) حديث صحيح رواه البخاري (٣٧٤٩).
[ ٢ / ٢٧٨ ]
الأرض ليجعله فوق عنقه ويدلي قدميه الناعمتين على كتفيه .. ويفديه بأبيه ويردّد كلمات تضحك والده عليًا .. يقول أحد الصحابة الذين شاهدوا حب أبي بكر للحسن:
(صلّى بنا أبو بكر العصر، ثم قام وعلي يمشيان، فرأى الحسن يلعب مع الغلمان، فأخذه أبو بكر، فحمله على عنقه، وقال:
بأبي شبيه النبي ليس شبيهًا بعلي
وعليّ يبتسم) (١) (ويضحك) (٢).
ولا يلام أبو بكر الصديق ﵁ في ذلك .. إنه ابن حبيبه وصاحبه ونبيّه .. وحبّه من الإيمان وأبو بكر متضلع بالإيمان وحب آل بيته وحب هذا الطفل الجميل .. أبو بكر يفعل ما كان - ﷺ - يفعله بالحسن .. يقول البراء بن عازب ﵁: (رأيت النبي - ﷺ - واضعًا الحسن على عاتقه "وهو يقول: اللَّهم إني أحبه فأحبه": وقال: من أحبني فليحبه) (٣) لم يكن الحسن فوق عاتق النبي - ﷺ - .. كان يحتل قلبه وجسده ومشاعره .. ها هو رجل من الأزد يبلغ الدنيا وصية نبيّه - ﷺ - وهو يحتضن الحسن داخل حبوته .. فيقول: (أشهد لقد رأيت رسول الله - ﷺ - واضعه في حبوته وهو يقول: من أحبّني فليحبه، وليبلغ الشاهد الغائب) (٤) .. ولم يقتصر الطفل
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (٣/ ٢٤٩) بسند البخاري وهو عند البخاري (٣٥٤٢).
(٢) حديث صحيح رواه البخاري (٣٥٤٢).
(٣) سنده صحيح رواه أبو داود الطيالسي (٧٣٢) واللفظ له والترمذيُّ (٣٧٨٣) والزيادة له عن شعبة عن عدي بن ثابت سمعت البراء .. وعدي ثقة من رجال الشيخين -التقريب (٢/ ١٦).
(٤) سنده صحيح رواه البخاري - خلق أفعال العباد (ص) (٩١) والحاكم (٣/ ١٩٠) وأحمدُ (٥/ ٦٦) من طريق شعبة عن عمرو بن مرة سمعت عبد الله بن الحارث يحدث عن زهير =
[ ٢ / ٢٧٩ ]
البريء على اقتحام قلبه - ﷺ - بل تجاوزت براءته كل ذلك فصار يقتحم على جده - ﷺ - صلاته .. ها هو الحسن يدخل على جدّه وهو يصلّى بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبقية الصحابة ﵃ .. يركض الحسن .. يلهو داخل المسجد يتّجه نحو جده - ﷺ - فيقفز على ظهره الشريف .. ويمتطيه كفارس مغوار .. فماذا فعل - ﷺ -؟ .. وما هو رد والده وبقية الصحابة على لهو ذلك الطفل واقتحامه عالم النبي - ﷺ - وهو خاشع مع ربه .. يقول أحد الصحابة ﵃: (إن رسول الله - ﷺ - كان يصلّي فإذا سجد وثب الحسن على ظهره وعلى عنقه، فيرفع رسول الله - ﷺ - رفعًا رفيقًا لئلا يصرع -فعل ذلك غير مرة- فلما قضى صلاته، قالوا: يا رسول الله رأيناك صنعت بالحسن شيئًا ما رأيناك صنعته. قال - ﷺ -: إنه ريحانتي من الدنيا) (١).
فتعلم الصحابة أن الطفولة عطر جذاب .. وبراءة لا تقاوم .. منحها الإِسلام مساحة من الحب والرحمة والتسامح .. مساحة فسيحة .. فسيحة تمتّع بها الحسن ونعم فيها بطفولته وعفويّته .. وتمتع بها أطفال المسلمين من بعده .. و..
_________________
(١) = ابن الأقمر عن الرجل الأزدي وهذا سند صحيح: زهير تابعي ثقة وليس كما قال الحافظ: مقبول .. (٢/ ٤٦٥) وتلميذه ثقة: التهذيب (٥/ ١٨٢) وعمرو بن مرة أوثق من الاثنين (٢/ ٧٨) ويشهد للحديث ما قبله.
(٢) سنده صحيح رواه أحمد (٥/ ٥١) وابن حبان (١٥/ ٤١٨) والطبرانيُّ (٣/ ٣٤) من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن أخبرني أبو بكرة .. وفي هذا السند مدلسان الحسن ومبارك .. رحمهما الله أما الأول فصرح بالسماع من أبي بكرة ﵁ وأما مبارك فقد توبع عند الطبراني (٣/ ٣٤) تابعه إسماعيل بن مسلم فإن كان العبدي فهو ثقة، وإن كان المكي فهو ضعيف.
[ ٢ / ٢٨٠ ]