_________________
(١) سنده صحيح رواه ابن إسحاق، ومن طريقه البيهقي (٣/ ٢٤٠) حدثنا عبد الله بن سهل، عن عائشة: أنها كانت .. وعبد الله بن سهل هو أبو ليلى المدني، تابعي ثقة من رجال البخاري ومسلمٌ، وقد قال الإمام البخاري: عبد الله بن سهل سمع من عائشة- التهذيب (١٢/ ٢١٥) والتقريب (٢/ ٤٦٧).
[ ٣ / ١٠٢ ]
تقول عائشة ﵂: (أصيب سعد يوم الخندق، رماه رجل من قريش يقال له: حبان بن العرقة- وهو حبان بن قيس من بني معيص بن عامر بن لؤي، رماه في الأكحل (١)، فضرب النبي - ﷺ - خيمة في المسجد ليعوده من قريب) (٢).
وتقول ﵂: (خرجت يوم الخندق أقفو آثار الناس، فسمعت وئيد الأرض ورائي -يعني حس الأرض- فالتفتّ فإذا سعد بن معاذ ومع ابن أخيه الحارث بن أوس، يحمل مجنة، فجلست إلى الأرض، فمر سعد وعليه درع من حديد، قد خرجت منها أطرافه، فأنا أتخوّف على أطراف سعد- وكان سعد من أعظم الناس وأطولهم وهو يرتجز ويقول:
ليت قليلًا يدرك الهيجا حمل ما أحسن الموت إذا حان
"قالت: فقمت، فاقتحمت حديقة، فإذا فيها نفر من المسلمين، وإذا فيهم عمر بن الخطاب، وفيهم رجل عليه سبغة له، يعني مغفرًا، فقال عمر: ما جاء بك .. لعمري والله إنك لجريئة، وما يؤمنك أن يكون بلاء، أو يكون تحوز ..
قالت: فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقتّ لي ساعتئذٍ فدخلت فيها، فرفع الرجل السبغة عن وجهه، فإذا طلحة بن عبيد الله، فقال: يا عمر .. ويحك، إنك قد أكثرت منذ اليوم، وأين التحوّز أو الفرار إلَّا إلى الله ﷿".
قالت: ويرمي سعدًا رجلٌ من المشركين من قريش يقال له: ابن العرقة بسهم له، فقال: خذها وأنا ابن العرقة، فأصاب أكحله، فقطعه
_________________
(١) عرق في الذراع.
(٢) حديث صحيح رواه البخاري (٤١٢٢).
[ ٣ / ١٠٣ ]
فدعا الله ﷿ سعد، فقال:
اللهمّ لا تمتني حتى تقرّ عيني من قريظة -وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية- فرقى كلمه) (١)، كان سعد يعاني من جرحه .. ومازال يعاني حتى بعد توقف النزيف .. لكن جرحه الذي لا يندمل ولا يبرأ .. هو ذلك الجرح الذي فتحه في أعماقه يهود بني قريظة بخيانتهم لله ورسوله .. ونقضهم العهد وهم يعيشون في ظل دولة الإِسلام ..
هذه هي الحرب الثانية .. والخيانة الثانية التي يطعنون بها رسول الله - ﷺ - وأصحابه .. لكنها الأشدّ .. لدرجة أنهم جعلوا النبي - ﷺ - في حالة من القلق جعلته يبحث عن رجل يتوجّه نحو حصن بني قريظة ليرصد آخر تحرّكاتهم .. وهذه هي المرة الثالثة التي يفعلها - ﷺ - .. ومرة ثالثة يُشرق الزبير .. فيكسوه النبي - ﷺ - لقبًا بعد عودته .. لقبًا يتميّز به بين أصحابه - ﷺ -.